مكتبات دمشق العريقة تحت مقصلة الغلاء والتكنولوجيا: كيف تتلاشى ذاكرة الفيحاء الثقافية؟

تشهد العاصمة السورية دمشق تراجعاً غير مسبوق في حضور مكتباتها العريقة، التي طالما شكلت منابر للحوار وفضاءات تجمع الكتباء والطلاب والباحثين. ومع تفاقم الظروف الاقتصادية المتدهورة وتغيّر عادات القراءة لدى الأجيال الجديدة، اضطر العديد من أصحاب المكتبات ودور النشر إلى إغلاق أبوابها أو تغيير نشاطها التجاري نحو بيع القرطاسية، أو التحول إلى مقاهٍ وكافتيريات للحد من الخسائر المادية، مما يهدد جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمدينة.

الأزمة الاقتصادية وتضاعف تكاليف النشر والطباعة

تُعد الأزمة الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين المسبب الرئيسي لانحسار سوق الكتاب في دمشق؛ إذ أدى الغلاء المادي إلى ترتيب الأولويات المعيشية لدى الأسرة السورية لصالح الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية، ليتحول اقتناء الكتاب الورقي إلى نوع من الرفاهية المؤجلة.

ترافق ذلك مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف الإنتاج، شملت:

  • أسعار الورق والحبر ومستلزمات الطباعة.

  • تكاليف الطاقة وأجور النقل والشحن.

هذا الارتفاع جعل سعر الكتاب الواحد يوازي أجر عدة أيام عمل لشرائح واسعة من المواطنين، ما تسبب في تراجع المبيعات اليومية واضطرار الناشرين إلى طباعة كميات محدودة تفادياً للركود.

       [ارتفاع تكاليف الإنتاج والطباعة]
                     +
      [تراجع القدرة الشرائية للمواطنين]
                     ↓
       [انخفاض الطلب على الكتاب الورقي]
                     ↓
[إغلاق المكتبات أو تحويل نشاطها التجاري]

الهجرة الثقافية وتغير العادات القرائية للأجيال الجديدة

تأثر قطاع النشر في دمشق بفقدان شريحة واسعة من زبائنه الأكثر إقبالاً على قراءة الكتب واقتنائها، نتيجة هجرة أعداد كبيرة من الأكاديميين والأدباء والطلاب خلال السنوات الماضية.

تزامن ذلك مع تحولات تكنولوجية وثقافية أثرت على نمط الاستهلاك الفكري:

  • منافسة المحتوى الرقمي: إمكانية الوصول السريع إلى المكتبات الرقمية والكتب الإلكترونية مجاناً أو بتكاليف رمزية عبر الهواتف الذكية.

  • هيمنة المنصات الحديثة: استحواذ وسائل التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة على اهتمام الشباب، وتراجع عادة القراءة الطويلة والعميقة لصالح المحتوى السريع.

  • غياب الفعاليات: تراجع الأنشطة والأمسيات الثقافية وحفلات توقيع الكتب التي كانت تشكل صلة الوصل بين القارئ والمكتبة.

إغلاق نصف المكتبات وارتفاع التكاليف التشغيلية

تؤكد شهادات من داخل السوق التحريري إغلاق أو تحول نحو 50% من مكتبات دمشق ودور النشر التابعة لها، نتيجة العجز عن تغطية المصاريف التشغيلية المرتفعة، والتي تشمل إيجارات العقارات، فواتير الكهرباء، وأجور العاملين، في ظل أيام تخلو من المبيعات.

اسم المكتبة / الدار المصدر / التصريح طبيعة التحديات المذكورة
مكتبة الفردوس رضوان بشير سراقبي تراجع القراءة نتيجة التطور التكنولوجي، وتأثير الغلاء الذي دفع المكتبات للبحث عن مهن بديلة.
مكتبة الصفدي ربيع الصفدي إغلاق أو تحول نُهائي لـ 50% من المكتبات إلى مقاهٍ أو قرطاسيات بسبب غياب البيع وتغير سلوك القراء.
دار العامر للنشر محمد النداف انخفاض الإقبال العام على الكتب الثقافية، مقابل حركة مقبولة نسبياً للكتب الدينية.

متطلبات الحفاظ على صناعة الكتاب في دمشق

يتطلب إنقاذ قطاع النشر والمكتبات في دمشق صياغة استراتيجية ثقافية واقتصادية متكاملة تهدف إلى إعادة الاعتبار للكتاب الورقي، من خلال:

  • تقديم دعم رسمي لصناعة النشر وتخفيض الضرائب والرسوم الجمركية على مستلزمات الطباعة والورق.

  • إقامة معارض دائرية ومبادرات تشجيعية للقراءة تستهدف المدارس والجامعات.

  • تحفيز المكتبات العريقة على تطوير نموذج عمل مدمج يجمع بين الأنشطة الثقافية والخدمات الرقمية مع الحفاظ على الكتاب كمنتج محوري.

ورغم الضغوط الراهنة، تُظهر بعض أسواق الكتب الدمشقية مرونة تشغيلية مع عودة عناوين جديدة وتداول نسبي للإصدارات، مما يدل على استمرار وجود القارئ وحاجته لبيئة مشجعة تعيد للمدينة دورها الثقافي التاريخي.

إقرأ أيضاً: التضخم في سوريا 2010-2025.. دراسة رسمية تكشف اقتصاداً أنهكته الحرب وتضع الحكومة أمام اختبار الإصلاح

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.