أسعار إدلب بين الليرة التركية والسورية.. فروقات صرف ترفع كلفة الشراء والرقابة عاجزة عن ضبط التسعير
في أسواق إدلب، لم يعد المستهلك يكتفي بمعرفة سعر السلعة قبل شرائها، بل عليه أن يحسب أيضاً بأي عملة سيسدد ثمنها، وبأي سعر صرف سيحتسبها البائع. فالليرة التركية ما تزال حاضرة في تسعير عدد من السلع، بينما يجري الدفع بالليرة السورية في كثير من الحالات، ما يفتح الباب أمام فروقات قد ترفع كلفة المشتريات من متجر إلى آخر.
وبين سعر صرف تتناقله مكاتب الصرافة وآخر يعتمده بعض أصحاب المحال، يجد المواطن نفسه أمام سلعة واحدة بأكثر من قيمة، فيما تتراجع قدرته على معرفة السعر الحقيقي الذي يفترض أن يدفعه. وفي سوق تعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية وتقلب قيمة العملة، تتحول فروقات التحويل إلى عبء إضافي يقع بصورة مباشرة على المستهلك.
سلعة واحدة.. وحسابات مختلفة
يقول عبد الرحمن حداد، من سلقين، إن خزان مياه بسعة عشرة براميل يبلغ سعره 300 ليرة تركية، لكن قيمته عند الدفع بالليرة السورية تصل إلى نحو ألف ليرة، أي بما يتجاوز قيمة السلعة وفق بعض أسعار التحويل المتداولة.
ويشير حداد إلى أن بعض المحال تحتسب الليرة التركية بنحو 2.8 ليرة سورية، بينما يرفعها آخرون إلى 3.3 ليرات، ما يدفع المواطن أحياناً إلى شراء الليرة التركية والدفع بها مباشرة لتجنب الفارق.
ولا تبدو الحالة استثنائية. ففي دركوش، يقول عباس علاء الدين إن اختلاف سعر الصرف بين المحال ومكاتب الصرافة أصبح أمراً متكرراً، بينما يرى مصطفى خضرو أن الفروقات تظهر بوضوح عند شراء الحاجات اليومية، وقد تصل في بعض الحالات إلى ما يعادل عدة دولارات.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما لا يعرف المستهلك مسبقاً السعر الذي سيُحتسب على أساسه التحويل، إذ قد تظهر تفاصيل العملية عند الدفع، بعد أن يكون قرار الشراء قد اتُخذ فعلياً.
التجار يحسبون مخاطرهم.. والمواطن يتحملها
بالنسبة إلى أصحاب المحال، يرتبط اختلاف الأسعار بتقلبات سوق الصرف والخشية من الخسارة. ويقول عبادة الدبل، صاحب محل فروج، إن قيمة السلعة بالليرة السورية تتغير تبعاً لسعر صرف الليرة التركية، حتى لو بقي سعرها بالليرة التركية ثابتاً.
أما صفوان محمود جبور، صاحب محل سمانة في دركوش، فيرى أن التعامل بعملتين يزيد صعوبة البيع والشراء، خصوصاً مع عدم استقرار سعر الصرف، مشيراً إلى أن بعض التجار يضعون هامشاً إضافياً تحسباً لتغير قيمة العملة بين وقت شراء البضاعة وبيعها.
وتوضح الصيدلانية ملاذ كوردو أن بعض الأنشطة التجارية تعتمد على أسعار الصرافة المتداولة وتعمل على تحديث قيمة المنتجات وفق تغيرات السوق، في ظل وجود فروقات بين سعر الشراء والبيع ومخاطر تغير سعر الصرف.
لكن هذه الحسابات التجارية تنتهي في كثير من الأحيان عند المستهلك. فكلما ارتفع هامش التحوط الذي يضعه التاجر، ارتفعت الكلفة التي يدفعها المواطن، لتصبح تقلبات العملة مشكلة يشارك فيها الجميع لكن يتحمل آثارها الطرف الأضعف.
رقابة موجودة.. لكن السوق أوسع من قدرتها
تؤكد مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب أن التسعير والإعلان عن الأسعار يفترض أن يكونا بالليرة السورية، وأن تحميل المستهلك مبالغ إضافية نتيجة فروقات الصرف قد يدخل ضمن مخالفات البيع بسعر زائد.
لكن حضور الرقابة في السوق لا يبدو كافياً لإنهاء المشكلة. فاستمرار تفاوت أسعار التحويل بين المحال، وبقاء التسعير بعملات مختلفة في التداول اليومي، يشيران إلى فجوة بين القواعد المعلنة وما يواجهه المستهلك فعلياً عند الشراء.
ويقول مدير المديرية ضياء العلي إن تحديد سعر الصرف من اختصاص مصرف سوريا المركزي، مؤكداً أن المديرية جهة رقابية تنفيذية، فيما دعا المواطنين إلى تقديم الشكاوى عند تعرضهم لفروقات غير مبررة في الأسعار.
غير أن إحالة المواطن إلى الشكوى بعد وقوع الفارق لا تعالج أصل المشكلة، طالما أن آلية التسعير نفسها غير موحدة ولا تزال مساحة واسعة للاجتهاد من متجر إلى آخر.
فوضى العملات.. ضريبة جديدة على المستهلك
تكشف أسواق إدلب عن مشكلة تتجاوز مجرد اختلاف سعر الصرف؛ إنها نتيجة مباشرة لاقتصاد تتداخل فيه أكثر من عملة، من دون أن يمتلك المستهلك دائماً الأدوات التي تمكنه من مراقبة عملية التحويل أو التأكد من عدالتها.
وفي ظل ضعف القدرة الشرائية واستمرار تقلبات السوق، يصبح الفرق البسيط في سعر التحويل جزءاً من فاتورة أكبر يدفعها المواطن يومياً. أما بقاء التسعير الفعلي خارج إطار موحد، مع رقابة لا تبدو قادرة على ضبط جميع التفاصيل، فيعني أن المستهلك يظل الطرف الأكثر عرضة للخسارة في معادلة لا يملك مفاتيحها.
اقرأ أيضاً: الليرة التركية تتمسك بأسواق الشمال السوري.. لماذا تتعثر عودة الليرة السورية؟