النووي السوري بين رقابة الوكالة وحسابات إسرائيل.. هل تفتح دمشق طريقاً نحو برنامج مدني؟
بعد نحو عقدين على تدمير “إسرائيل” منشأة الكُبر في دير الزور، يعود الملف النووي السوري إلى الواجهة من بوابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع بدء عمليات تحقق جديدة بشأن مواد ومواقع مرتبطة بالأنشطة النووية السابقة.
وخلال زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي إلى دمشق، الثلاثاء، أعلن عن العثور على عدة أطنان من اليورانيوم الطبيعي في موقع غير معلن خارج العاصمة، إلى جانب كميات كبيرة من الغرافيت المرتبطة بالأنشطة السابقة في دير الزور، مؤكداً أن المواد ستخضع لإجراءات التحقق والضمانات التي تفرضها الوكالة.
لكن أهمية التطور لا ترتبط فقط بما عُثر عليه، بل أيضاً بالمسار الذي تحاول دمشق فتحه بعد معالجة ملف البرنامج النووي السابق، إذ تتطلع الحكومة السورية إلى الانتقال من تسوية القضايا العالقة إلى التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
دمشق تعيد فتح قنوات التعاون مع الوكالة
قال غروسي إن الوكالة تمكنت من الوصول إلى مواقع مرتبطة بالأنشطة النووية السابقة في سوريا، وتعمل مع الحكومة السورية الجديدة على معالجة القضايا التي ما تزال عالقة بشأن تنفيذ اتفاق الضمانات المبرم في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وأوضح أن عمليات التحقق أظهرت وجود عدة أطنان من اليورانيوم الطبيعي في موقع غير معلن خارج دمشق، فيما زار فريق من الوكالة موقعاً آخر تُخزن فيه كميات كبيرة من الغرافيت المرتبط بالأنشطة النووية السابقة في دير الزور.
وتأتي هذه التحركات بعد مسار بدأته دمشق لإعادة بناء علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عقب سنوات من تعثر التعاون بشأن موقع دير الزور ومواقع أخرى مرتبطة به.
إرث مفاعل الكُبر
تعود جذور الملف إلى منشأة الكُبر في محافظة دير الزور، التي دمرتها إسرائيل في أيلول/سبتمبر 2007، بعدما قالت إن الموقع كان يضم مفاعلاً نووياً سورياً سرياً.
وفي السنوات اللاحقة، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن المبنى الذي دمرته إسرائيل كان على الأرجح مفاعلاً نووياً كان يتعين إبلاغ الوكالة به. وفي عام 2011، اعتبر مجلس محافظي الوكالة أن سوريا لم تف بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات النووية.
غير أن تدمير المنشأة لم يضع حداً للتحقيقات. فقد واصلت الوكالة البحث عن أدلة تساعد في تحديد طبيعة النشاط الذي كان يجري في الموقع.
وبعد سقوط النظام عام 2024، سمحت سوريا للوكالة بزيارة ثلاثة مواقع يُعتقد أنها كانت مرتبطة وظيفياً بمنشأة دير الزور، وأخذ عينات بيئية منها.
وأظهرت نتائج التحاليل التي أُعلنت في 2025 وجود جزيئات من اليورانيوم الطبيعي ذات منشأ بشري، وهو ما دفع إلى مواصلة عمليات التحقق بشأن طبيعة النشاط النووي السابق. وقالت الوكالة حينها إن استكمال هذه العملية يمكن أن يساعد في توضيح القضايا العالقة المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة تمهيداً لإغلاقها.
ويعني السماح للوكالة بالوصول إلى موقع دير الزور والتحقق من المواد الموجودة في سوريا نقل الملف تدريجياً من دائرة الشكوك والاتهامات إلى مسار مؤسساتي يخضع للرقابة الدولية.
سوريا تريد الاحتفاظ بالمواد والتعاون مع الوكالة
خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع غروسي، قال وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إن سوريا أتاحت للوكالة الوصول إلى موقع دير الزور بعد أكثر من 18 عاماً، معتبراً أن الخطوة اتُخذت بقرار سيادي وفي إطار التعامل مع إرث النظام السابق.
وأكد الشيباني أن المواد النووية التي عُثر عليها في موقع غير معلن داخل سوريا لا تشكل خطراً، مشيراً إلى أنها ستبقى في عهدة دمشق مع خضوعها لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي المقابل، شدد الوزير السوري على حق بلاده في امتلاك برنامج نووي سلمي والاستفادة من الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية.
كما تحدث غروسي عن إمكانية التعاون مع سوريا مستقبلاً في مجالات تشمل الطاقة والصحة وإدارة المياه، وهي من أبرز المجالات المدنية التي تستخدم فيها التكنولوجيا النووية.
وتشير هذه المواقف إلى أن دمشق لا تتعامل مع الملف باعتباره عملية لتسوية إرث البرنامج السابق فحسب، وإنما تسعى أيضاً إلى بناء علاقة جديدة مع الوكالة تتيح لها مستقبلاً تطوير استخدامات مدنية للطاقة النووية.
ما الذي تحتاجه دمشق للوصول إلى برنامج مدني؟
من حيث المبدأ، لا يحظر النظام الدولي على الدول امتلاك برامج نووية سلمية، شرط خضوعها للضمانات الدولية وعدم توظيفها في تطوير أسلحة نووية.
لكن تحويل هذا الحق إلى برنامج نووي مدني فعلي يتطلب مساراً طويلاً. وتحتاج سوريا، وفق مراقبين، إلى معالجة الملفات العالقة مع الوكالة، وتقديم معلومات كاملة بشأن المواد والمنشآت والأنشطة النووية السابقة، إضافة إلى ضمان قدرة الوكالة على مواصلة التحقق من عدم استخدام المواد النووية لأغراض عسكرية.
كما يتطلب تطوير منشآت نووية مدنية وجود إطار قانوني ومؤسسات رقابية متخصصة، إلى جانب كوادر بشرية وقدرات تقنية وأنظمة للسلامة والأمن النوويين. ويشمل ذلك أيضاً ترتيبات دولية تتيح الحصول على التكنولوجيا والمعدات والوقود اللازم للبرنامج.
وبالتالي، فإن إغلاق ملف الأنشطة السابقة يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يعني تلقائياً انتقال سوريا إلى امتلاك برنامج نووي مدني متكامل.
إسرائيل حاضرة في خلفية الملف
يصعب فصل الملف النووي السوري عن إسرائيل، التي دمرت منشأة الكُبر عام 2007، قبل أن تتحول القضية إلى أحد ملفات الضمانات العالقة أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أما اليوم، فقد تغير مسار التعامل مع المنشأة والمواد المرتبطة بها؛ فبدلاً من أن تكون المنشأة هدفاً لعمل عسكري إسرائيلي، أصبحت المواقع والمواد المرتبطة بها موضع تحقق من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن ذلك لا يعني انتهاء الهواجس الإسرائيلية. فقد تعاملت “إسرائيل” تاريخياً مع أي نشاط نووي سوري باعتباره مسألة مرتبطة بأمنها القومي، وهو ما ظهر في ضربة عام 2007، ولاحقاً في ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بالمنشأة بعد سقوط نظام الأسد، وفق تقارير صحفية.
وكان موقع “أكسيوس” قد أشار في تقرير نشره في 10 آب/أغسطس إلى وساطة أميركية بين سوريا وإسرائيل بشأن مواد نووية بقيت في الموقع، وإلى اتفاق يقضي بإزالة تلك المواد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبحسب التقارير المتعلقة بالمواد المتبقية في دير الزور، تدخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع التعامل مع الملف عسكرياً، ودعمت إسناد مهمة التحقق من المواد وإزالتها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
بين تسوية الماضي وبناء برنامج جديد
يضع هذا المسار دمشق أمام مهمتين متوازيتين: الأولى تتعلق بإغلاق ملف الأنشطة النووية السابقة وتقديم إجابات كافية للوكالة الدولية، والثانية تتمثل في بناء تعاون طويل الأمد يسمح لها بالاستفادة من التكنولوجيا النووية في المجالات المدنية.
وفي المقابل، يوفر إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية آلية للتحقق من مصير المواد التي خلفها البرنامج السابق، بما في ذلك ضمان عدم تحولها إلى مصدر خطر جديد.
وعليه، فإن مستقبل البرنامج النووي السوري لن يتحدد فقط بما تريده دمشق، بل أيضاً بقدرتها على استكمال متطلبات الضمانات الدولية، وبمدى قبول الولايات المتحدة و”إسرائيل” والدول المعنية بانتقال سوريا من مرحلة معالجة إرثها النووي إلى مرحلة تطوير استخدامات نووية مدنية تحت الرقابة الدولية.
اقرأ أيضاً:;مفاعل الكِبَر يعود إلى الواجهة.. الوكالة الذرية تستعد لإزالة مواد نووية من سوريا
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز