زراعة الصبار تتوسع في درعا.. الجفاف يدفع المزارعين إلى محصول أقل كلفة وأقل طلباً للمياه

في درعا، لم يعد الصبار مجرد نبات ينمو على أطراف الحقول أو في الأودية للاستهلاك المنزلي، بل بدأ يتحول إلى خيار زراعي تفرضه الظروف أكثر مما تفرضه خطط التنمية. فمع تراجع الأمطار وشح مياه الري وجفاف عدد من المصادر المائية، يجد مزارعون أنفسهم أمام محاصيل عطشى لا تستطيع أراضيهم تأمينها، فيتجهون إلى التين الشوكي بوصفه نباتاً يتحمل ما لم تعد الزراعة التقليدية قادرة على تحمله.

هذا التحول لا يعكس ازدهاراً زراعياً بقدر ما يكشف حجم الضغط الذي وصل إليه القطاع الزراعي في المحافظة. فحين يصبح تقليل الحاجة إلى المياه هو المعيار الأول لاختيار المحصول، تتحول الزراعة تدريجياً من البحث عن الأفضل إلى البحث عن الممكن.

الصبار يدخل مكان الأشجار العطشى

يقول المزارع منذر عبيد من جلين إن زراعة الصبار كانت محدودة سابقاً في أودية حوض اليرموك، قبل أن تبدأ بالانتشار مع اشتداد الجفاف. ويؤكد مزارعون آخرون أنهم استبدلوا أجزاء من بساتين الرمان والعنب بالصبار بعدما أصبح تأمين مياه الري لهذه الأشجار أكثر صعوبة وكلفة.

ويمتاز الصبار بقدرته على تحمل فترات طويلة من العطش، والاعتماد بدرجة كبيرة على مياه الأمطار، كما تتراجع حاجته إلى التسميد والرعاية مقارنة بمحاصيل أخرى. لكن هذه الميزة تكشف في الوقت نفسه الوجه القاتم للأزمة: المزارع لا يختار بالضرورة ما يدر عليه أكبر دخل، بل ما يستطيع إبقاءه حياً.

مردود محدود.. ووظائف أكثر من محصول

يؤكد مزارعون أن الصبار يمكن أن يوفر دخلاً موسمياً جيداً، فضلاً عن استخدامه سياجاً طبيعياً حول الأراضي والمنازل، وعلفاً للماشية، ومحصولاً يساعد في الحد من انجراف التربة.

ولا تتوقف قيمته عند الثمرة. فوفق المختصين، يمكن استخدامه في المربيات والعصائر، وتخزينه لفترة محددة، إضافة إلى الاستفادة منه علفاً أخضر في المناطق الجافة وشبه الجافة، وزراعته ضمن خطوط حماية حول الغابات للمساعدة على الحد من انتشار الحرائق.

لكن هذه الاستخدامات، على تنوعها، لا تعني أن الصبار قادر وحده على إنقاذ الزراعة في درعا؛ فهو يظل محصولاً موسمياً محدود الفترة، وسوقه أقل اتساعاً من بعض المحاصيل التقليدية.

الجفاف يفرض تغيير الخريطة الزراعية

يرى رئيس اتحاد فلاحي درعا فؤاد الحريري أن توسع زراعة الصبار يرتبط مباشرة بشح المياه وجفاف الينابيع والسدود وتأثير التغيرات المناخية.

ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الظروف سيجبر المزارعين على إعادة رسم الخريطة الزراعية للمحافظة وفق قدرة كل محصول على تحمل الجفاف، لا وفق قيمته الاقتصادية أو حاجات السوق فقط.

وهنا تظهر مسؤولية الحكومة الانتقالية. فالتكيف مع الجفاف لا يمكن أن يترك للمزارع وحده، ولا يكفي أن يُقال له: ازرعوا نباتاً أقل استهلاكاً للمياه. المطلوب سياسة زراعية واضحة تتضمن إدارة الأحواض الجوفية، وتأهيل شبكات الري، ودعم المحاصيل المتكيفة مع الجفاف، وتقديم إرشاد فعلي للمزارعين، إلى جانب الاستثمار في حصاد مياه الأمطار ومكافحة التصحر.

أما استمرار التعامل مع الجفاف كظرف موسمي، بينما تتآكل الموارد عاماً بعد آخر، فيعني أن المزارع سيواصل دفع ثمن غياب التخطيط من أرضه ودخله ومحاصيله.

الصبار خيار التكيف.. لا دليل التعافي

يؤكد خبراء المراعي أن الصبار الأملس من النباتات الملائمة للمناطق الجافة وشبه الجافة، ويمكن أن يساهم في تأمين الغذاء والعلف وحماية التربة، ما يجعله جزءاً من حلول التكيف مع تغير المناخ.

لكن التوسع فيه في درعا يجب ألا يُقرأ باعتباره مؤشراً على قوة القطاع الزراعي. فالمزارع الذي استبدل الرمان أو العنب بالصبار لم يفعل ذلك لأن المياه أصبحت متوافرة، بل لأن المياه أصبحت نادرة.

وهكذا، فإن انتشار الصبار في درعا يحمل مفارقة واضحة: نبات ينجح لأنه يتحمل العطش، ومزارعون ينجحون فقط بالقدر الذي تسمح به أزمة المياه. وبينهما قطاع زراعي يحتاج من الحكومة الانتقالية إلى أكثر من توصية بمحصول مقاوم للجفاف؛ يحتاج إلى إدارة للموارد قبل أن يصبح التكيف مع العطش بديلاً دائماً عن حق المزارع في زراعة ما يريد.

 

اقرأ أيضاً: بين الجفاف والنزوح وفائض العمالة.. عمال الزراعة في درعا عالقون في دائرة الفقر والانتظار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.