قوافل العودة إلى ريف حماة تصطدم بواقع الخراب.. «سوريا بلا مخيمات» بين الحلم وفجوة الخدمات

لا تنتهي رحلة النزوح عند مغادرة الخيمة، فبالنسبة لعشرات العائلات العائدة إلى ريف حماة الغربي، تبدأ معركة جديدة بمجرد الوصول إلى القرى والبلدات التي تركتها الحرب خلفها مثقلة بالدمار والحرمان.

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، انطلقت قافلة جديدة ضمت 182 عائلة عائدة من مخيمات النزوح في ريف إدلب إلى مناطقها الأصلية في جبل شحشبو وقلعة المضيق والتوينة والشريعة، بإشراف محافظة حماة وبالتعاون مع مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل وإدارة منطقة الغاب والدفاع المدني السوري وعدد من الجهات الإنسانية.

لكن مشهد العودة الذي يحمل في ظاهره نهاية لمعاناة المخيمات، يكشف في تفاصيله واقعاً أكثر قسوة؛ إذ يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام قرى بلا خدمات أساسية، ومنازل لم تُرمم، وطرقات تحمل آثار الحرب، في وقت لا تزال فيه وعود إعادة الإعمار تتحرك ببطء أكبر من حاجات السكان.

عودة إلى قرى بلا ماء ولا كهرباء

يقول ناشطون وعائدون إن التحدي الأكبر بعد العودة يتمثل في غياب مقومات الحياة الأساسية، حيث تعاني مناطق واسعة من ريف حماة الشمالي وسهل الغاب من ضعف شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

ويشير الناشط المدني باسل قاسم إلى أن بعض العائلات اضطرت بعد عودتها إلى شراء مياه الصهاريج بأسعار مرتفعة تصل إلى 10 و15 دولاراً للصهريج الواحد، في ظل غياب حلول مستدامة لمشكلة المياه.

أما الكهرباء، فتبدو أكثر غياباً، إذ تعتمد بعض القرى على ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات رغم تكلفتها المرتفعة، بعدما تعرضت شبكات الكهرباء لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب.

ولا يتوقف الأمر عند الخدمات، فانتشار مياه الصرف الصحي في بعض الطرقات أدى إلى مخاطر صحية، خصوصاً بين الأطفال، مع تسجيل حالات من الأمراض الجلدية، في وقت تعاني فيه المنطقة من ضعف في الخدمات الطبية وقلة المراكز الصحية القادرة على تلبية احتياجات السكان.

منازل مدمرة وعودة بلا مأوى

أمام كثير من العائدين، تقف مشكلة أكثر تعقيداً: أين سيعيشون؟

فبرامج الترميم الحالية، وفق شهادات سكان المنطقة، تركز غالباً على المنازل القابلة للإصلاح البسيط، مثل تبديل الأبواب والنوافذ، بينما تبقى المنازل المدمرة بالكامل خارج دائرة الاستجابة، ما يترك عائلات كثيرة أمام خيار العودة إلى خيمة جديدة داخل قريتها.

ويؤكد المواطن عبد الباسط يوسف كنيساوي، المنحدر من كفرنبودة، أن دمار منزله بالكامل يمثل العائق الأكبر أمام العودة، مشيراً إلى أن تقديم بدل نقل أو مساعدات محدودة لا يعالج جوهر المشكلة، لأن العائلة تحتاج إلى مأوى حقيقي وخدمات تضمن حياة مستقرة.

في المقابل، لم تعد مخيمات الشمال السوري خياراً آمناً أو مريحاً، بعدما تراجعت الخدمات الإنسانية فيها، وازدادت معاناة السكان مع نقص المياه وتراكم النفايات وضعف شبكات الصرف الصحي.

مشاريع خدمية وسط طريق طويل لإعادة الإعمار

رغم الصورة القاتمة، بدأت بعض المشاريع الخدمية بالتحرك في مناطق العودة، إذ يجري تأهيل محطة ضخ «أفاميا» في ريف حماة الغربي بعد توقف دام 14 عاماً، إلى جانب مشاريع لإعادة تأهيل محطات المياه باستخدام الطاقة الشمسية، وترميم عدد من المراكز الصحية والمدارس.

كما نفذ الدفاع المدني السوري أعمال إزالة أنقاض وفتح طرقات وتأهيل مدارس، ضمن محاولات لتهيئة بيئة أكثر أمناً للعائدين.

لكن حجم الدمار المتراكم يجعل هذه المشاريع تبدو أقرب إلى خطوات إسعافية أمام فجوة هائلة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة.

«سوريا بلا مخيمات».. اختبار الدولة بعد النزوح

تأتي هذه القوافل ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات» التي أطلقتها الحكومة السورية الانتقالية بهدف إنهاء ملف النزوح الداخلي ودعم عودة السكان إلى مناطقهم.

وتتضمن الخطة تشكيل لجان حكومية للعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية وترميم عشرات آلاف المنازل، بدعم إقليمي ودولي، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ الفعلي.

فالعودة لا تُقاس بعدد الحافلات التي تغادر المخيمات، بل بعدد المنازل التي تُفتح أبوابها، وشبكات المياه التي تعود للعمل، والمدارس التي تستقبل الأطفال، والطرق التي تصبح صالحة للحياة.

وبين حلم إنهاء المخيمات وواقع القرى المدمرة، تقف عائلات ريف حماة أمام اختبار حقيقي: هل ستكون العودة بداية استقرار، أم مجرد انتقال من خيام النزوح إلى خرائب الانتظار؟

 

اقرأ أيضاً: أزمة اللاجئين السوريين تتجاوز العودة.. الأمم المتحدة تحذر من تضييق اللجوء وسوريا تواجه اختبار التعافي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.