شح المياه يهدد زراعة درعا.. آبار عشوائية ومخزون جوفي يتراجع وسط غياب الحلول المستدامة
لم تعد أزمة المياه في درعا مجرد مشكلة موسمية مرتبطة بانخفاض الأمطار، بل تحولت إلى تهديد مباشر لمستقبل الزراعة في المحافظة التي تعتمد مساحات واسعة منها على المياه الجوفية. فبين جفاف الينابيع، وتراجع مخزون السدود، وانتشار الآبار العشوائية، يجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما تقليص الإنتاج أو مواجهة خسائر متراكمة في قطاع أنهكته سنوات الإهمال وضعف التخطيط.
وفي وقت تتحدث فيه الجهات الحكومية عن ضبط الحفر المخالف وحماية الموارد المائية، يرى مزارعون أن الإجراءات الحالية لا تقدم بديلاً عملياً لهم، وأن معالجة أزمة عمرها سنوات لا يمكن أن تقتصر على ردم الآبار وفرض القيود، في ظل غياب مشاريع مائية قادرة على إنقاذ الزراعة من الانكماش.
المزارع بين عطش الأرض وغياب البدائل
يقول المزارع محمود الناطور إن تأمين المياه بات التحدي الأكبر أمام أصحاب الأراضي، موضحاً أن أشجار الرمان واللوزيات التي يزرعها تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وأن شح الموارد انعكس بشكل واضح على الإنتاج وحجم الثمار.
ويشير إلى أن معظم المزارعين في المنطقة الغربية لجؤوا إلى الري بالتنقيط لتقليل الاستهلاك، لكنه يبقى خياراً مكلفاً يحتاج إلى صيانة واستبدال مستمر، في وقت تتراجع فيه قدرة المزارعين على تحمل النفقات.
ويحذر الناطور من أن ردم الآبار المخالفة من دون توفير بدائل قد يدفع كثيراً من الأسر إلى ترك الزراعة، معتبراً أن الأرض التي يعتمد عليها آلاف السكان أصبحت مهددة بسبب غياب إدارة مائية طويلة الأمد.
أما المزارع أحمد دمارة، فيؤكد أن انخفاض المياه أدى إلى تراجع إنتاجية المحاصيل وارتفاع تكاليف الزراعة، موضحاً أن نقص الري يسرّع تلف الأشجار ويخفض جودة الثمار، بينما تتراكم الديون بسبب تكاليف المحروقات والأسمدة والمبيدات.
ويطالب دمارة بتنظيم استخدام الآبار بدلاً من إغلاقها بشكل شامل، عبر تحديد المساحات الزراعية المسموح بريها، وتركيب عدادات لمراقبة الاستهلاك، ومنح المزارعين خيارات تضمن استمرار عملهم.
استنزاف مائي يهدد مستقبل المحافظة
مدير الموارد المائية في درعا هاني عبد الله يؤكد أن المحافظة تواجه استنزافاً خطيراً للمياه الجوفية، إذ يصل العجز السنوي إلى أكثر من 200 مليون متر مكعب، ما أدى إلى جفاف عدد من الينابيع الرئيسية وانخفاض غزارة مصادر مائية أخرى.
ويشير إلى أن المديرية بدأت إجراءات للحد من الحفر غير المرخص، تشمل مصادرة معدات الحفر المخالفة وردم الآبار الواقعة قرب مصادر مياه الشرب، إضافة إلى وقف منح تراخيص جديدة لحفر الآبار.
لكن هذه الإجراءات تأتي في ظل واقع مائي متدهور تراكم خلال سنوات طويلة، حيث تضررت الشبكات والمنشآت المائية، وتأخرت مشاريع التأهيل، ما جعل السكان والمزارعين يدفعون ثمن غياب إدارة فعالة للموارد.
خطط رسمية وسط أزمة متفاقمة
تقول الجهات المعنية إنها تعمل على إعادة تأهيل الشبكات والسدود، ودعم التحول نحو الري الحديث، وتقليل زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك المائي المرتفع. كما تشير إلى مشاريع بالتعاون مع منظمات دولية لتعزيز تقنيات حصاد المياه والزراعة المستدامة.
إلا أن المزارعين يرون أن هذه الخطط لا تزال بعيدة عن حجم الأزمة، وأن الوقت ليس في صالح القطاع الزراعي الذي يخسر عاماً بعد آخر جزءاً من قدرته على الإنتاج.
ففي درعا، حيث كانت الزراعة مصدر رزق رئيسياً لعشرات آلاف الأسر، لم تعد المشكلة في نقص المياه فقط، بل في غياب رؤية واضحة تمنع تحول الجفاف إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أوسع. وبينما تنخفض مناسيب المياه تحت الأرض، يبقى المزارع عالقاً بين قرارات رسمية تقيده وواقع مائي لا يترك له الكثير من الخيارات.
اقرأ أيضاً: بين الجفاف والنزوح وفائض العمالة.. عمال الزراعة في درعا عالقون في دائرة الفقر والانتظار