حرستا.. مدينة معلّقة فوق الأنفاق ووعود الإعمار المؤجلة

لم تكن الحرب وحدها ما أفرغ حي العجمي في مدينة حرستا من سكانه، بل يبدو أن فترة ما بعد سقوط النظام لم تنجح أيضاً في إعادة الحياة إليه. ففي الوقت الذي استعادت فيه أحياء سورية أخرى جزءاً من نبضها، بقي العجمي مدينة معلّقة بين الركام والأنفاق والملفات القانونية، فيما يواصل آلاف المهجّرين انتظار قرار يسمح لهم بالعودة إلى ما تبقى من منازلهم.

الحي، الذي كان يوماً أحد أكثر أحياء الغوطة الشرقية كثافةً وحيوية بفضل موقعه الاستراتيجي قرب سوق الهال وعلى تقاطع أهم الطرق المؤدية إلى دمشق، تحول خلال سنوات الثورة إلى واحدة من أكثر مناطق حرستا تعرضاً للقصف، بعدما جعله موقعه خط مواجهة مباشر مع قوات النظام المخلوع. واليوم، ورغم انتهاء العمليات العسكرية منذ سنوات، لا يزال المشهد أقرب إلى مدينة خرجت للتو من الحرب.

حي عاد إليه الصمت ولم يعد إليه أهله

في شوارع العجمي، تبدو الأبنية المدمرة أكثر حضوراً من البشر. واجهات متفحمة، طوابق منهارة، وشوارع خالية لا يقطع سكونها سوى السيارات العابرة نحو دوما أو عربين.

قرب جامع العجمي، ما تزال شجرة ياسمين تقاوم وسط حي فقد معظم سكانه، بينما تعيش بضع عائلات داخل منازل متضررة استبدلت نوافذها بأقمشة، بعدما دفعتها سنوات النزوح وارتفاع الإيجارات إلى العودة رغم غياب أبسط مقومات الحياة.

ويقول الأهالي إن المشكلة لم تعد تقتصر على الدمار، بل تشمل انعدام الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، إضافة إلى غياب أي مسار واضح يسمح بترميم المنازل أو العودة إليها بصورة قانونية وآمنة.

الأنفاق تعطل العودة.. والإعمار ما يزال حبراً على الورق

بحسب مجلس مدينة حرستا، فإن خصوصية العجمي تختلف عن بقية الأحياء، إذ تنتشر أسفل أجزاء واسعة منه شبكة أنفاق عميقة، فضلاً عن وجود أبنية فقدت سلامتها الإنشائية بالكامل، ما يجعل العودة محفوفة بالمخاطر.

وتقول الجهات المحلية إن المنطقة تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، لا إلى ترميمات جزئية، وإن الكشف الهندسي وربط مواقع الأبنية بشبكة الأنفاق يمثلان الخطوة الأولى قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بعودة السكان.

لكن بالنسبة للأهالي، فإن هذه التبريرات لم تعد كافية بعد سنوات من الانتظار، في ظل غياب جدول زمني واضح، واقتصار المشهد على زيارات وفود رسمية ودولية لم تتحول حتى الآن إلى مشاريع تنفيذية.

مشاريع استثمارية غامضة وحقوق معلقة

يزداد قلق السكان مع الحديث عن مقترحات لإعادة تنظيم المنطقة عبر مشاريع استثمارية قد تشمل إنشاء أبراج سكنية، بينما يؤكد المالكون أنهم لم يطلعوا حتى الآن على تفاصيل هذه الخطط أو آليات التعويض وضمان الحقوق.

وتقر الجهات المحلية بأن المشروع لا يزال قيد الدراسة، وأن النقاشات مستمرة للوصول إلى صيغة توازن بين مصالح المستثمرين وحقوق الأهالي، إلا أن استمرار الغموض يفتح الباب أمام مخاوف من أن يتحول ملف الإعمار إلى أزمة ملكيات جديدة بدلاً من أن يكون مدخلاً لعودة السكان.

مدينة تنتظر أكثر من إزالة الركام

يؤكد مجلس المدينة أن إزالة الأنقاض ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة، يعقبها العمل على البنية التحتية تمهيداً لإعادة الإعمار، إلا أن الواقع الميداني يعكس فجوة واضحة بين الوعود والتنفيذ.

فالعجمي اليوم ليس مجرد حي مدمر، بل صورة مكثفة لمرحلة انتقالية لم تتمكن الحكومة السورية الانتقالية حتى الآن من تحويلها إلى مشروع تعافٍ حقيقي. وبين تعقيدات الأنفاق، وتأخر التشريعات، وضبابية الاستثمار، يبقى آلاف السكان عالقين بين منازل لا يستطيعون العودة إليها، ومدن نزحوا إليها ولم يعودوا قادرين على تحمل كلفة البقاء فيها.

وفي النهاية، لا يبدو السؤال المطروح في حرستا متى ستبدأ إعادة الإعمار فحسب، بل متى تتحول سنوات الانتظار الطويلة إلى قرارات ملموسة تعيد الناس إلى بيوتهم، بدلاً من إبقاء المدينة أسيرة الدراسات واللجان والوعود المؤجلة.

 

اقرأ أيضاً: إيكونوميست: إعادة إعمار سوريا تتطلب مليارات الدولارات والسوريون يترقبون من الشرع حلولاً للأزمات الداخلية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.