سوق الريجة في اللاذقية يعود إلى الواجهة.. لماذا فشلت محاولات نقل البسطات؟
في قلب مدينة اللاذقية، لا يبدو سوق لريجة مجرد تجمع عشوائي للبسطات، بل صورة مكثفة لاقتصاد الأزمة في سوريا؛ حيث يلتقي الفقر مع غياب التنظيم، وتتصادم حاجة الناس إلى العمل مع حق السكان في مدينة لا تتحول شوارعها إلى أسواق مفتوحة.
على امتداد أكثر من كيلومتر ونصف في شارع أبي فراس الحمداني، تستعيد البسطات حضورها كلما تراجعت حملات الإزالة، لتعود معها المشاهد ذاتها: أرصفة محتلة، حركة مرور مختنقة، ضجيج يومي، وباعة يخشون فقدان مصدر رزقهم الوحيد.
حلول الإزالة تتكرر.. والمشكلة تعود
خلال عام 2025، حاول مجلس مدينة اللاذقية إنهاء ملف الريجة عبر حملات إخلاء متكررة، كان آخرها في حزيران، بعد تجهيز سوق بديل قرب الملعب البلدي، مع نشر نقاط مراقبة لمنع عودة الإشغالات.
لكن التجربة لم تصمد طويلاً. فمع تراجع الرقابة تدريجياً، بدأت البسطات بالعودة إلى مواقعها القديمة، بعدما فشل السوق البديل في جذب الباعة والمتسوقين على حد سواء.
ويقول أصحاب البسطات إن الموقع الجديد افتقر إلى مقومات العمل الأساسية، من البنية التحتية والخدمات إلى ضعف الحركة التجارية، ما جعل الانتقال إليه مخاطرة اقتصادية لا يستطيع كثيرون تحملها.
الرصيف كملاذ أخير للفقراء
بالنسبة للباعة، لا يتعلق الأمر بمخالفة تنظيمية فقط، بل بمعركة بقاء في اقتصاد ضاغط. فارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية جعلا استئجار محل تجاري خياراً بعيد المنال للكثيرين.
يقول أحد الباعة إن الانتقال إلى سوق لا يؤمن حركة بيع كافية يعني خسارة مصدر الدخل الوحيد، بينما يؤكد آخرون أن غياب المظلات والخدمات في السوق البديل جعل العمل فيه شبه مستحيل خلال الصيف والشتاء.
في المقابل، يرى سكان المنطقة أن استمرار البسطات في الشارع أعاد المشاكل القديمة، من ازدحام وفوضى ونفايات وصعوبة الوصول إلى المنازل والمحال التجارية.
سوق جديد.. أم نسخة أخرى من الفشل؟
تطرح الحكومة السورية الانتقالية عبر مجلس مدينة اللاذقية حلاً جديداً يتمثل بتجهيز سوق التأمينات الاجتماعية خلف الملعب البلدي ليكون مقراً دائماً للبسطات، مع وعود بإنشاء مواقع منظمة ومسقوفة وتأهيل البنية التحتية.
لكن التجارب السابقة تجعل كثيرين ينظرون إلى المشروع بحذر، إذ لم تكن المشكلة في نقل الباعة فقط، بل في قدرة أي سوق بديل على جذب الزبائن وتأمين ظروف اقتصادية تسمح باستمرار العمل.
فالأسواق الشعبية لا تعيش بالقرارات الإدارية وحدها، بل بالحركة اليومية للناس، وبقدرة الموقع الجديد على منافسة الشوارع التي اعتادها المواطنون.
اقتصاد الرصيف نتيجة لا سبب
يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضماني أن انتشار البسطات ليس ظاهرة منفصلة عن الواقع الاقتصادي السوري، بل نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتراجع قدرة أصحاب المهن على الحفاظ على محالهم.
ويشير إلى أن كثيراً من أصحاب البسطات كانوا سابقاً أصحاب متاجر، لكن ارتفاع التكاليف دفعهم إلى الرصيف بوصفه الخيار الأقل تكلفة.
ويؤكد أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى حلول تتجاوز إزالة الإشغالات، تبدأ بإصلاح سوق العقارات، وتوفير بيئة اقتصادية تسمح بعودة النشاط التجاري المنظم، إلى جانب حماية المستأجرين من الارتفاعات غير المنضبطة في الإيجارات.
مدينة معلقة بين الفوضى والحاجة
يبقى سوق الريجة نموذجاً مصغراً لمعضلة أوسع في المدن السورية: كيف يمكن تنظيم الفضاء العام دون سحق مصادر رزق الفئات الأكثر هشاشة؟
فالبسطات تشوه المشهد الحضري وتضغط على الخدمات، لكنها في الوقت ذاته تعكس اقتصاداً شعبياً نشأ من فراغ السياسات الاقتصادية وضعف فرص العمل.
وبينما تتكرر وعود التنظيم، يبقى السؤال معلقاً: هل تنجح الحكومة السورية الانتقالية في بناء سوق شعبي حقيقي يستوعب الفقراء ويحفظ المدينة، أم أن الريجة ستعود مرة أخرى لتثبت أن الحلول المؤقتة لا تعالج أزمات متجذرة؟
اقرأ أيضاً: أزمة “البسطات” في حماة: تخبط القرارات يربك الأسواق ويثير احتجاجات الباعة وأصحاب المحال