سوريا بلا مخيمات… عودة النازحين تبدأ فيما الطريق إلى الاستقرار ما يزال مليئاً بالعقبات
بدأت قوافل عودة النازحين تغادر مخيمات الشمال السوري عائدة إلى بلداتها وقراها ضمن برنامج تشرف عليه الحكومة السورية الانتقالية تحت عنوان “سوريا بلا مخيمات”. وبينما تبدو مشاهد العودة لحظة طال انتظارها بعد سنوات طويلة من النزوح، فإنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للأسئلة حول قدرة البلاد على تحويل العودة من مشهد إنساني مؤثر إلى استقرار دائم.
وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يزال نحو 5.54 ملايين شخص نازحين داخل سوريا، بينهم أكثر من 1.16 مليون يعيشون في المخيمات. ورغم مغادرة أكثر من مليون نازح للمخيمات منذ أواخر عام 2024، فإن حجم الأزمة ما يزال من الأكبر في المنطقة.
عودة تحمل أكثر من معنى
يرى الباحث السياسي فراس حميدو أن مبادرة “سوريا بلا مخيمات” تمثل محاولة لإغلاق أحد أكثر ملفات الحرب تعقيداً، بعد أن تحولت المخيمات طوال سنوات إلى عنوان دائم للنزوح وتراجع مؤسسات الدولة.
ويشير إلى أن المرسوم الرئاسي رقم 59 لعام 2026 وضع إطاراً لإغلاق المخيمات تدريجياً، عبر إعادة الأهالي إلى مناطقهم وتأهيل البنية التحتية وإنشاء مشاريع سكنية بديلة، بالتوازي مع الانتقال من الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى الإنتاج والعمل.
كما تحمل المبادرة، بحسب حميدو، رسالة إلى المجتمع الدولي بأن دمشق تسعى لمعالجة ملف النزوح بالتعاون مع الشركاء الدوليين، وهو ما انعكس في إعلان دعم سعودي بقيمة 1.5 مليار دولار للمشروع، إلى جانب مبادرات عربية ودولية أخرى لدعم العودة.
بين حلم العودة وواقع الخدمات
لكن الطريق لا يبدو معبداً كما توحي الصور الأولى للقوافل.
فالكثير من العائلات تصطدم بمنازل مدمرة أو تحتاج إلى ترميم كامل، فيما لا تزال الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية غائبة في عدد واسع من مناطق العودة، الأمر الذي يجعل الاستقرار الفعلي أكثر تعقيداً من مجرد الوصول إلى البلدة الأصلية.
وتقر الجهات الحكومية نفسها بأن التمويل المتاح لا يغطي حجم الاحتياجات، فيما تتطلب مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية استثمارات ضخمة قد تستغرق سنوات قبل أن تنعكس على حياة السكان.
قوافل مستمرة… والتحدي أكبر من النقل
خلال الأيام الماضية أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قافلة جديدة أعادت أكثر من خمسين عائلة من مخيمات الشمال إلى بلدتي كفرزيتا واللطامنة بريف حماة، بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مع الإعلان عن قوافل إضافية خلال الفترة المقبلة.
كما تتواصل عمليات إعادة نازحي عفرين من الحسكة إلى ريف حلب ضمن دفعات متتالية، بالتزامن مع عمل لجنة حكومية مكلفة بتأهيل المناطق المدمرة وإزالة الأنقاض والألغام وتحسين الخدمات الأساسية.
ويؤكد مسؤولو الملف أن الأولوية الحالية تتمثل في إعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء، غير أن محدودية الموارد مقارنة بحجم الدمار ما تزال تشكل التحدي الأكبر أمام تنفيذ هذه الخطط.
اختبار طويل للتعافي
تمثل العودة الطوعية خطوة مهمة في مسار التعافي السوري، لكنها تبقى بداية لمسار أكثر تعقيداً. فنجاح المبادرة لن يقاس بعدد القوافل المغادرة للمخيمات، بل بقدرة العائلات على البقاء في مناطقها، وتأمين السكن والعمل والخدمات الأساسية، وتحويل العودة من استجابة إنسانية مؤقتة إلى استقرار مستدام يعيد للمجتمعات المحلية حياتها الطبيعية بعد سنوات من النزوح.
اقرأ أيضاً: مديرة الشؤون الاجتماعية في إدلب: 2026 عام العودة وطي صفحة المخيمات