فيضانات الفرات تبدد مواسم مربي الأسماك… والثروة السمكية تنتظر إنقاذاً مؤجلاً
لم يكن ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات بشارة خير كاملة لمربي الأسماك في الجزيرة السورية، فبينما انعكس تدفق المياه إيجاباً على البيئة المائية وزيادة التنوع الحيوي، حمل المفيض الأخير للنهر خسارة قاسية لقطاع صغير يعيش أصلاً على هامش الاهتمام الرسمي.
فقد تحولت الأحواض السمكية المنتشرة على ضفاف الفرات إلى مشهد من الخسارة المفتوحة، بعدما جرفت المياه مزارع التكاثر وكميات كبيرة من الأسماك الجاهزة للبيع، تاركة عشرات المربين أمام خسائر مالية تهدد قدرتهم على العودة إلى الإنتاج.
موسم ضاع في ساعات
يمتد نهر الفرات لنحو 600 كيلومتر داخل الأراضي السورية، ويشكل مصدراً أساسياً للثروة السمكية في مناطق الرقة ودير الزور، إلا أن هذا القطاع بقي لسنوات يعاني من ضعف التنظيم والرقابة، ما فتح الباب أمام الصيد الجائر واستنزاف المخزون السمكي.
ويقول مربون لـ«الثورة السورية» إن غياب الإدارة الفاعلة سابقاً أدى إلى انتشار ممارسات أضعفت القطاع، بدءاً من الصيد العشوائي وصولاً إلى استغلال بعض المناطق المحمية، في وقت بقي الاستثمار الحقيقي في الاستزراع السمكي محدوداً ومحصوراً بعدد قليل من المربين.
ويشير مربو الأسماك إلى أن الحديث عن عشرات المزارع المنتشرة في المنطقة لا يعكس الواقع بدقة، إذ إن جزءاً منها كان مجرد أحواض غير مستثمرة فعلياً، بينما تتركز المزارع المنتجة على ضفاف الفرات بين الرقة ودير الزور، وتعتمد بصورة رئيسية على أنواع الكارب والعاشب والفضي.
خسائر بلا تعويض
كانت الأضرار الأكبر من نصيب المربين الذين فقدوا إنتاج مواسم كاملة خلال ساعات.
ويؤكد المربي سليمان السالم أن بعض المزارعين خسروا أطناناً من الأسماك بقيم تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، موضحاً أن أحد المربين في منطقة حويجة كدرو فقد نحو خمسة أطنان من الأسماك، فيما تجاوزت خسائر آخرين عشرات الآلاف من الدولارات.
أما المربي حسين السالم، فيوضح أن خسارته تجاوزت 150 ألف فرخ سمك بين صغار وأسماك جاهزة للتسويق، إضافة إلى تلف المعدات ومستلزمات الإنتاج، مشيراً إلى أن إعادة بناء دورة الإنتاج تحتاج إلى عام كامل، ما يعني أن آثار الكارثة ستتجاوز الموسم الحالي.
ويقول مربون إن لجاناً من مديرية الزراعة وثقت الأضرار ميدانياً، لكن إجراءات الحصر لم تترافق حتى الآن مع خطوات واضحة لتعويض الخسائر أو دعم إعادة تشغيل المزارع المتضررة.
قطاع يواجه أزمات متراكمة
لم تكن الفيضانات المشكلة الوحيدة التي تواجه الثروة السمكية في الفرات، إذ يعاني القطاع من ضعف الطلب وتراجع القوة الشرائية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة التسويق.
ويشير مربو الأسماك إلى أن حركة السوق تتحكم بالأسعار، حيث يضطر الصياد أو المربي أحياناً إلى البيع بأقل من القيمة الفعلية لتغطية تكاليف النقل والتبريد وتجنب خسائر أكبر.
كما يطالب العاملون في القطاع بتسهيل إجراءات الترخيص، وتأمين مستلزمات العمل، وتشديد الرقابة على الصيد الجائر، ولا سيما استخدام وسائل الصعق الكهربائي والمتفجرات والشباك التي تستهدف الأسماك الصغيرة قبل اكتمال نموها.
وعود رسمية أمام واقع هش
من جهته، يؤكد مدير فرع الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية في الرقة المهندس محمد عبدالله زينو أن ارتفاع مناسيب المياه انعكس إيجاباً على البيئة المائية، وساهم في تحسين ظروف تكاثر الأسماك وزيادة التنوع الحيوي.
وأوضح أن المفيضات الأخيرة ألحقت أضراراً بنحو 200 دونم موزعة على أكثر من 20 مزرعة وحوض استزراع سمكي، مشيراً إلى استمرار عمليات الكشف والإحصاء لتقييم حجم الخسائر.
وأكد زينو أن الهيئة تعمل على إعداد قاعدة بيانات للصيادين والمزارع، وتنفيذ برامج لإعادة استزراع الأسماك ودعم المفاقس الحكومية، إضافة إلى تعزيز الرقابة على المخالفات.
لكن هذه الخطط تبقى أمام اختبار الواقع، في ظل قطاع تعرض لسنوات من الإهمال وضعف الاستثمار، فيما ينتظر المربون إجراءات عملية لا بيانات جديدة، بعدما فقدوا إنتاجهم بين موجة مياه عابرة وغياب طويل للحلول.
الفرات بين ثروة مهددة وفرص مؤجلة
يمتلك الفرات مقومات تجعل منه خزّاناً طبيعياً للثروة السمكية والغذاء في الجزيرة السورية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قطاع منتج يحتاج إلى أكثر من خطط ورقية؛ يحتاج إلى بنية حماية للمزارع، ورقابة حقيقية، ودعم اقتصادي يعيد للمربين القدرة على الاستمرار.
وبينما تتحدث الحكومة السورية الانتقالية عن إعادة تنظيم القطاعات الإنتاجية، يبقى مربو الأسماك في انتظار الخطوة التي تنقل الفرات من مصدر للخسائر المتكررة إلى رافعة اقتصادية حقيقية للمنطقة.
اقرأ أيضاً: موجات الحر تهدد قطاع تربية الأسماك في سوريا