سوريا بين التعافي المؤجل ووهم الإعمار.. 1.66 مليار دولار لا تكفي لإعادة بلد مدمّر
في سوريا التي خرجت من العزلة السياسية دون أن تخرج من ركامها، يبدو المشهد الاقتصادي أقرب إلى “إدارة الانهيار” منه إلى إعادة بناء حقيقية. أرقام الدعم والتعهدات الدولية، رغم ضخامتها على الورق، لا تتجاوز في حقيقتها هامشاً ضيقاً من الاحتياجات الفعلية لبلد قدّرت كلفة إعادة إعمار أصوله المدمرة فيه بين 216 و345 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، بينما لا يتعدى ما يمكن تصنيفه كإعادة إعمار مبكرة نحو 1.66 مليار دولار فقط.
المعادلة تبدو قاسية: دعم عالمي بالمليارات، لكن أغلبه يذوب في الإغاثة الطارئة وتشغيل الحد الأدنى من الخدمات، لا في إعادة بناء البيوت التي سقطت ولا المدن التي تآكلت.
تعهدات بالمليارات.. وإعمار على الورق فقط
خلال 18 شهراً من المرحلة الانتقالية، تم رصد نحو 12.11 مليار دولار من التعهدات والتمويلات المعلنة لدعم سوريا. لكن الرقم، رغم ضخامته الظاهرية، لا يعكس تدفقات فعلية إلى الداخل السوري، بل خليطاً من مساعدات إنسانية، ودعم تشغيلي، وبرامج إغاثة طويلة وقصيرة الأمد.
الأهم أن نحو 86.3% من هذه الأموال يصنف ضمن الدعم الإنساني أو التشغيلي، بينما لا تتجاوز حصة إعادة الإعمار والتعافي المستدام 13.7% فقط، أي ما يعادل واقعياً نسبة هامشية لا تغيّر ملامح بلد مهدّم.
وفي ظل غياب منصة وطنية شفافة لتتبع الأموال، تبقى التعهدات أقرب إلى “أرقام سياسية” منها إلى مشاريع على الأرض، حيث لا يمكن معرفة بدقة ما تم تحويله أو صرفه أو تنفيذه فعلياً.
إعمار بلا منازل.. واستثمار بلا حياة
رغم بعض المشاريع المحدودة في قطاعات المياه والكهرباء والصحة، مثل تمويلات البنك الدولي والسعودية وقطر، إلا أن جوهر الأزمة يبقى خارج هذه الحسابات: المنازل المدمرة، الأحياء الممحوة، والمخيمات التي لم تُحلّ جذورها بعد.
ما يجري فعلياً هو إعادة تشغيل جزئية للقطاعات القابلة للربح، لا إعادة بناء حياة الناس. فالاستثمار يذهب إلى الطاقة والنفط والكهرباء، بينما تبقى الأحياء السكنية خارج معادلة التمويل، وكأن إعادة الإعمار يمكن أن تتم دون إعادة بناء الإنسان ومكانه.
في الخلفية، تتسع الفجوة بين الاحتياج والتمويل: ففي عام 2025 لم يُموّل سوى 43% من خطة الاستجابة الإنسانية، بينما انخفضت النسبة في 2026 إلى نحو 20% فقط، ما يعكس تراجعاً مستمراً في قدرة المجتمع الدولي على تغطية حتى الحد الأدنى من الاحتياجات.
قيود سياسية وشفافية غائبة وأولويات دولية متزاحمة
إلى جانب ضعف التمويل، تقف السياسة كعائق غير معلن أمام الإعمار. فالدول المانحة ما تزال تربط التمويل الواسع بشروط تتعلق بالحوكمة والرقابة وضمان وصول الأموال، في وقت لا تزال فيه آليات الإدارة الداخلية غير واضحة بالكامل.
في المقابل، تتزاحم أزمات العالم على الموارد الدولية: أوكرانيا، غزة، لبنان، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، كلها تستهلك جزءاً كبيراً من الاهتمام والتمويل، تاركة سوريا في منطقة وسطى بين الإغاثة والتجاهل.
بين الإعمار الحقيقي والاستثمار المربح
المفارقة أن ما يُقدَّم كـ“إعادة إعمار” لا يتجاوز في كثير من الأحيان مشاريع استثمارية في قطاعات مربحة، بينما يبقى الإعمار الحقيقي — البيوت، الأحياء، المدارس، والمستشفيات — معلقاً على فتات التمويل أو مبادرات محدودة النطاق.
هكذا، تتحول إعادة الإعمار إلى مفهوم معلّق بين السياسة والاقتصاد، بين الوعود والقدرة، بينما الواقع على الأرض يقول شيئاً واحداً: ما زال السوريون يعيشون داخل بلد لم يبدأ بعد فعلياً رحلة إعادة بنائه.
في النهاية، تبدو الصورة أقرب إلى معادلة مؤجلة: دعم لا يكفي، إعمار لا يبدأ، وبلد يحاول أن يقف على قدميه بينما الأرض تحت قدميه لم تُرمم بعد.
اقرأ أيضاً: الأموال المصادرة في سوريا: هل تمول إعادة الإعمار أم تبتلعها فجوة العجز الاقتصادي؟