مياه ملوّثة وأجساد مُنهكة.. تفشّي التهاب الكبد A في ريف حمص يفضح هشاشة البنية الصحية
في مشهد يعيد طرح سؤال الماء بوصفه خط الدفاع الأول عن الحياة، سجّلت منطقة تلكلخ في ريف حمص الغربي خلال الأشهر الثلاثة الماضية سلسلة إصابات بفيروس التهاب الكبد الوبائي من النمط A، وسط معطيات رسمية تشير إلى تلوّث واضح في مياه نبع “الزارة”، أحد أبرز مصادر الشرب في المنطقة.
وبينما تُطوى صفحات الأرقام اليومية للإصابات، يبقى السؤال الأثقل معلقاً: كيف تحوّل مصدر حياة إلى ناقل للمرض؟
نبع “الزارة” خارج المعايير الصحية
أظهرت فحوصات مخبرية لعينات مأخوذة من النبع ومن الشبكة العامة، بحسب مديرية صحة حمص، أن مياه نبع “الزارة” غير صالحة للاستخدام البشري، نتيجة تلوث شديد يخالف المواصفات الصحية المعتمدة.
وفي المقابل، أكدت المديرية أن مياه الشبكة العامة بقيت ضمن الحدود الآمنة بفضل ما وصفته بالمراقبة المستمرة بالتنسيق مع مؤسسة المياه، في محاولة لاحتواء التداعيات ومنع اتساع رقعة العدوى.
لكن هذا التباين بين “نبع ملوث” و”شبكة آمنة” لا يلغي واقعاً أكثر قسوة يعيشه السكان، حيث يبقى المصدران معاً جزءاً من دورة مائية واحدة هشّة، تتقاطع فيها الأعطال مع الإهمال، وتتماهى فيها الحلول المؤقتة مع غياب البنية المستدامة.
أرقام العدوى.. منحنى يتراجع لكن الخطر باقٍ
وفق بيانات صحية رسمية، سجل شهر نيسان نحو 40 إصابة، تلاه أيار بـ35 حالة مشتبهة، قبل أن ينخفض العدد إلى 5 حالات حتى التاسع من حزيران.
ورغم هذا التراجع، تؤكد الجهات الصحية أن جميع الإصابات السابقة تماثلت للشفاء، بينما تخضع الحالات الجديدة للعزل المنزلي والمتابعة.
لكن هذا “الانخفاض الإحصائي” لا يبدو كافياً لطمأنة سكان المنطقة، في ظل استمرار مصدر التلوث نفسه، وتكرار نمط الإصابات المرتبط مباشرة بضعف الإصحاح المائي.
الماء كخطر يومي.. حين يغيب الأمان الأساسي
تحذيرات وزارة الصحة جاءت واضحة: سوء الإصحاح المائي واستخدام مياه غير آمنة يمثلان أحد أبرز أسباب تفشي التهاب الكبد A.
ورغم التأكيد على غياب علاج نوعي للفيروس والاكتفاء بالرعاية الداعمة—من راحة وتعويض سوائل وتغذية مناسبة—إلا أن جذور المشكلة تبقى أبعد من الإرشادات الصحية اليومية، وأقرب إلى بنية خدمية مترهلة تجعل “الماء الملوث” احتمالاً دائماً في حياة السكان.
في هذا السياق، تبدو الوقاية نصيحة عامة في مواجهة واقع يومي غير منضبط، حيث يصبح غسل اليدين والخضار ضرورياً، لكنه غير كافٍ أمام خلل يبدأ من المصدر نفسه.
دورة مرضية مفتوحة على الإهمال
ما بين نبع ملوث، وشبكة مياه “تُراقب وتُطَمئِن”، وحالات مرضية تتكرر كل عام، يتشكل مشهد صحي هشّ يعكس فجوة عميقة في البنية الخدمية.
ومع استمرار متابعة الفرق الصحية للحالات، وتأكيد وجود تعاون مع منظمات دولية، يبقى التحدي الحقيقي خارج إطار البيانات: إعادة بناء منظومة مياه آمنة قادرة على منع المرض قبل ظهوره، لا فقط تتبعه بعد انتشاره.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو العبارة الأقرب لوصف المشهد هي أن المرض لا يأتي من الطبيعة وحدها، بل من اختلال طويل في إدارة أبسط عناصرها: الماء.
اقرأ أيضاً: تفاقم أزمة التهاب الكبد الوبائي في بلدة محجة بريف درعا: 100 إصابة ومخاوف من كارثة صحية