مجلس الإفتاء السوري يحرّم الثأر من “الشبيحة” ويدعو إلى الاحتكام للقضاء
في لحظة سياسية واجتماعية حساسة، تتزايد فيها الدعوات لمحاسبة المتورطين بانتهاكات الحرب في سوريا، خرجت فتوى دينية جديدة من مجلس الإفتاء السوري لتعيد ضبط إيقاع النقاش المتصاعد، مؤكدة تحريم الثأر والانتقام خارج إطار القضاء، في محاولة لاحتواء موجة غضب شعبي تتسع في أكثر من منطقة.
لكن هذا التحذير، رغم وضوحه الشرعي، يأتي في بيئة مشحونة أصلاً، حيث تتقاطع مطالب العدالة مع هشاشة المؤسسات، وتتشكل على الأرض ملامح توتر يخشى كثيرون أن يتحول إلى فوضى يصعب احتواؤها.
تحريم الثأر… وتثبيت مرجعية القانون
الفتوى شددت على أن استيفاء الحقوق — سواء في الدماء أو الأموال أو الأعراض — يجب أن يتم حصراً عبر القضاء والجهات المختصة، محذّرة من أن أي تصرف فردي خارج هذا الإطار يفتح الباب أمام الفوضى وإشاعة الفتن.
وأكدت أن إقامة القصاص أو العقوبات ليست من صلاحيات الأفراد، بل هي من اختصاص الدولة ومؤسساتها القضائية، وأن تجاوز هذا الإطار يُعد اعتداءً على النظام العام، حتى لو انطلق من دوافع “العدالة”.
كما حذرت من خطورة التحريض على الانتقام، معتبرة أنه لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الاجتماعي وخلق دوامة مستمرة من الكراهية والعنف.
دعوة للمحاسبة… ولكن تحت سقف الدولة
في المقابل دعت الفتوى الجهات الرسمية إلى التعامل الجدي مع ملفات الانتهاكات، وتسريع إجراءات المحاسبة، واسترداد الحقوق، وإجراء إصلاحات قضائية تضمن عدم إفلات المذنبين من العقاب.
كما طالبت بإعادة النظر في تركيبة بعض المؤسسات القضائية، بما يضمن — بحسب مضمونها — استقلاليتها وابتعادها عن الفساد، في إشارة إلى الحاجة لإصلاح عميق في بنية العدالة نفسها.
مجتمع على حافة التوتر
ورغم وضوح الرسائل الدينية والقانونية، تبقى التحديات على الأرض أكثر تعقيداً. فالمشهد السوري اليوم لا يعاني فقط من أزمة قانون، بل من أزمة ثقة ممتدة، تجعل كثيرين ينظرون إلى العدالة باعتبارها مؤجلة أو غير مكتملة.
في هذا السياق، تتردد بين الأهالي قناعة متزايدة مفادها أن أي محاولة لتحقيق “الحق” خارج مؤسسات الدولة ستتحول سريعاً إلى فوضى مفتوحة، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى أقل خطراً من الانتقام الفردي الذي لا يفرّق بين مذنب وبريء.
بين الدولة والشارع… معركة ضبط المعنى
المعادلة السورية تبدو اليوم أكثر تعقيداً من مجرد فتوى أو موقف قانوني. فالدولة مطالبة بإثبات قدرتها على احتكار العدالة، والمجتمع مطالب بضبط غضبه ضمن حدود القانون، في وقت تتآكل فيه المسافات بين المطالبة بالحق والانزلاق نحو الفوضى.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع المؤسسات تحويل العدالة من شعار إلى ممارسة، أم أن فراغ الثقة سيظل يفتح الباب أمام “عدالة الشارع” بكل ما تحمله من مخاطر؟
اقرأ ايضاً: دمشق: إطلاق نار واعتداءات في حي المزة 86 ومظاهرة تطالب بطرد “الشبيحة”