الأمن البيئي في سوريا: التحدي الخفي الذي يهدد استقرار المرحلة الانتقالية

بينما تتجه الأنظار نحو إعادة إعمار البنية التحتية والاقتصاد في سوريا بعد سنوات الصراع، يبرز “الأمن البيئي” كأحد أخطر الملفات التي قد تعصف بالاستقرار الاجتماعي والسياسي. ففي ظل عودة أكثر من 1.48 مليون لاجئ وتوقيع الاستثمارات، يواجه السوريون أزمة مائية وبيئية طاحنة تهدد بإنتاج توترات جديدة.

لماذا تعتبر البيئة قضية سياسية في سوريا؟

لا تقتصر الأزمة البيئية على جفاف الأشجار أو تلوث المياه، بل تمتد لتشكل ما يعرف بـ الأمن البيئي (Environmental Security). إن الفشل في إدارة الموارد قد يؤدي إلى:

  1. نزوح ريفي جديد: تكرار سيناريو جفاف 2006 الذي دفع بـ 1.5 مليون مزارع نحو المدن.

  2. تصدع التماسك الاجتماعي: رصدت تقارير أممية أن 72% من النزاعات المحلية في ريف دمشق الشرقي ترتبط بالخلاف على المياه والأراضي.

  3. انعدام الأمن الغذائي: يعاني قرابة 14.5 مليون سوري من نقص حاد في الغذاء والماء.

أرقام صادمة: واقع التدهور البيئي في سوريا 2025-2026

وفقاً لتقارير المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، الفاو، كوبرنيكوس)، وصلت الأرقام إلى مستويات حرجة:

  • المياه الجوفية: انخفاض منسوب المياه في محيط دمشق بمقدار 65 متراً.

  • الغطاء النباتي: فقدان 30% من الغابات السورية منذ عام 2011.

  • الإنتاج الزراعي: عجز في إنتاج القمح يقدّر بـ 2.7 مليون طن متري جراء جفاف عام 2025.

  • الثروة السمكية: انخفاض كميات الصيد بنسبة تصل إلى 80% بسبب الصيد الجائر بالسموم والكهرباء.

إرث الحرب الثقيل: التلوث النفطي والحرائق

لم تنجُ الطبيعة من نيران الحرب؛ حيث شهد عام 2025 وحده احتراق أكثر من 16.6 ألف هكتار في الساحل السوري. وفي دير الزور والحسكة، تبرز كارثة التلوث النفطي عبر:

  • تسرب المعادن الثقيلة إلى نهر الفرات.

  • تشكل بحيرات نفطية تمنع الإنبات لسنوات.

  • انبعاث غازات مسرطنة ناتجة عن التكرير البدائي.

ملف مياه الفرات: ميزان القوى مع تركيا

يظل نهر الفرات الشريان الحيوي لـ 15 مليون سوري، لكنه يخضع للتحكم التركي عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP).

  • انخفاض التدفق: سجلت محطة جرابلس تراجعاً إلى أقل من 500 متر مكعب/ثانية.

  • فرصة دبلوماسية: المرحلة الانتقالية الحالية قد تفتح باباً للمفاوضات مع أنقرة لمراجعة الاتفاقيات المائية وفق القانون الدولي.

الطريق نحو “إعادة إعمار أخضر”: توصيات للمستقبل

يرى الخبراء أن الاهتمام بالبيئة ليس “ترفاً”، بل هو ضرورة لتجنب انهيار اجتماعي مكلف. وتشمل خريطة الطريق المقترحة:

  1. هيئة وطنية عليا: للتنسيق بين موارد المياه والبيئة على أعلى مستوى سياسي.

  2. الاستثمار المستدام: توجيه الدعم الدولي نحو الري بالتنقيط (يوفر 60% من المياه) والطاقة المتجددة.

  3. العدالة الانتقالية البيئية: تعويض المزارعين والصيادين المتضررين من التلوث والحرائق.

  4. تدوير الركام: التوسع في مبادرات إعادة تدوير مخلفات الحرب التي بلغت 550 ألف متر مكعب حتى الآن.

الخلاصة : إن تكلفة الإدارة البيئية اليوم أقل بكثير من تكلفة الانفجار الاجتماعي غداً. الأمن البيئي في سوريا ليس ملفاً تقنياً، بل هو ركيزة أساسية لاستدامة السلام.

إقرأ أيضاً: الأمن الغذائي في سوريا تحت ضغط مركّب: الحرب والجفاف يفاقمان الأزمة الاقتصادية

إقرأ أيضاً: تدمير المنشآت النفطية في دير الزور وتلوث بيئي يدفع لإعادة تأهيل الحقول

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.