الصندوق السيادي السوري بعد عام.. أين تقف شفافية إدارة أموال الدولة؟

بعد أكثر من عام على تأسيس الصندوق السيادي السوري، لا يزال مستوى الإفصاح عن أصوله وإدارته وآليات اتخاذ القرار داخله موضع نقاش، في وقت تتواصل فيه عملية نقل أصول حكومية إليه وإعادة تقييم ممتلكات مرتبطة برجال أعمال من عهد بشار الأسد.

وأُحدث الصندوق في حزيران/يونيو 2025 بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025، كمؤسسة ذات طابع اقتصادي ترتبط برئاسة الجمهورية وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، بهدف تحويل أصول حكومية غير مفعلة إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات تسهم في تنشيط الاقتصاد.

لكن طبيعة الأصول التي باتت ضمن نطاق عمل الصندوق، والجهة التي تديره، وآليات الرقابة على قراراته، تطرح أسئلة حول مدى كفاية المعلومات المتاحة للرأي العام، خصوصاً أن المؤسسة تتعامل مع ممتلكات مرتبطة بالمال العام.

الصندوق: الشفافية مرتبطة بدقة المعلومات

يرى نائب المدير العام للصندوق، محمد عبد الله الفار، أن الشفافية جزء أساسي من الإطار القانوني الذي ينظم عمل المؤسسة. ويشير إلى أن المرسوم رقم 113 لعام 2025 أقر نظام حوكمة وصفه بالصارم والشفاف، يتضمن إعداد تقارير ربع سنوية وسنوية، وإخضاع الحسابات لتدقيق مالي من جهات مستقلة، إلى جانب الرقابة المستمرة على أعمال الصندوق.

وفي منشور له عبر منصة “إكس”، أوضح الفار أن الشفافية لا ترتبط فقط بكمية المعلومات التي تنشرها المؤسسة، وإنما بدقة البيانات وتوقيت الإفصاح عنها.

وبحسب هذا الطرح، فإن نشر بيانات لم تستكمل عمليات التحقق منها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ولا سيما أن جزءاً من الأصول التي يتعامل معها الصندوق لم يكن خاضعاً خلال سنوات طويلة لإدارة أو تطوير مؤسسيين، بينما تستمر عملية نقل بعض الأصول بالتوازي مع عمل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع.

وبالتالي، فإن التعامل مع الأصول لا يقتصر على إعداد قائمة بالممتلكات، إذ قد يحتاج كل أصل إلى تقييم مالي وقانوني وتشغيلي قبل تحديد طريقة التعامل معه، سواء من خلال تطويره، أو إعادة هيكلته، أو تنظيم الشركة المالكة له، أو التخارج منه، تبعاً لجدواه وطبيعته القانونية والاقتصادية.

ماذا ينص المرسوم؟

حدد المرسوم رقم 113 لعام 2025 طبيعة الصندوق وأهدافه، إذ أنشأه كمؤسسة اقتصادية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط برئاسة الجمهورية.

ومن بين أهداف المؤسسة تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، وتنشيط الاقتصاد عبر استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات للإنتاج والتنمية.

كما حدد المرسوم مصادر إيرادات الصندوق، وتشمل الأموال والاعتمادات التي تخصصها الدولة، والموارد الناتجة عن نشاطاته، وقيمة الأصول والاستثمارات التابعة له، إضافة إلى الهبات والتبرعات التي تقبل وفق القوانين والأنظمة النافذة.

ونصت المادة الرابعة على اعتماد “نظام حوكمة صارم وشفاف”، يتضمن التقارير الدورية والتدقيق المالي المستقل والرقابة الآنية.

لكن النص القانوني لا يحدد بصورة صريحة إلزام الصندوق بنشر هذه التقارير للرأي العام. فالمرسوم ينص على تقديم التقارير الربع سنوية والسنوية إلى رئاسة الجمهورية، من دون أن يتضمن في مواده المنشورة إطاراً تفصيلياً للإفصاح العام عن حجم الأصول أو الاستثمارات أو نتائج عمليات التدقيق المالي.

كما ينص المرسوم على تسمية مجلس إدارة الصندوق والمدير العام بمراسيم، وهو ما يجعل الإعلان الرسمي عن شاغلي المناصب وآليات ممارسة صلاحياتهم جزءاً من النقاش المتعلق بالحوكمة.

ما الذي يمكن الإفصاح عنه؟

لا يرى الباحث الاقتصادي السوري كرم شعار أن الشفافية تعني بالضرورة نشر تفاصيل جميع الصفقات أو الأصول فوراً، كما لا ينكر وجود تعقيدات قانونية مرتبطة ببعض الممتلكات التي انتقلت إلى الصندوق.

لكن شعار يعتبر أن التعامل مع الشفافية باعتبارها خياراً بين كشف كل شيء أو عدم نشر أي معلومات يتجاهل مساحة واسعة من البيانات التي يمكن إتاحتها للرأي العام من دون التأثير في عمليات التقييم أو التفاوض.

ويشير هذا الطرح إلى إمكانية نشر معلومات تتعلق بالهيكل الإداري للصندوق، وأسماء المسؤولين وصلاحياتهم، وآليات اتخاذ القرار، وقواعد الحوكمة، وطبيعة الرقابة، إلى جانب القيمة الإجمالية للأصول ومصادرها، وعلاقة الصندوق بالموازنة العامة، وأسس الاستثمار والتخارج.

ويرى شعار أن هذه البيانات لا تستلزم بالضرورة انتظار انتهاء جميع عمليات نقل الأصول وتقييمها، لأنها لا تكشف بالضرورة تفاصيل تجارية قد تؤثر في مفاوضات أو صفقات مستقبلية.

غموض حول الإدارة

برزت مسألة هوية الإدارة أيضاً ضمن النقاش حول شفافية الصندوق. وحتى الأشهر الأولى من عام 2026، لم يكن اسم المدير العام معلناً رسمياً بصورة واضحة، قبل أن تكشف تقارير إعلامية في نيسان/أبريل عن منشور لوزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، أشار فيه إلى إبراهيم سكرية، المعروف باسم “أبو مريم الأسترالي”، باعتباره مديراً للصندوق.

وحُذف المنشور لاحقاً من دون توضيح رسمي بشأن ذلك.

وتكتسب هوية المدير العام أهمية تتجاوز الإعلان الإداري، إذ ينص المرسوم على أن المدير العام يسمى بمرسوم، ويمثل الصندوق أمام القضاء والغير، ويتحمل مسؤولية حسن سير العمل أمام مجلس الإدارة ورئاسة الجمهورية.

وبذلك، فإن الإعلان الرسمي عن شاغل هذا المنصب وصلاحياته يمثل، وفق معايير الحوكمة، جزءاً من المعلومات الأساسية المتعلقة بإدارة مؤسسة تتولى أصولاً عامة.

وأشارت تقارير صحفية لاحقة إلى ظهور أسماء مرتبطة بإدارة الصندوق خلال المنتدى السوري الإماراتي الأول للاستثمار في أيار/مايو 2026، بينهم إبراهيم سكرية بصفته مديراً عاماً، ومحمد عبد الله الفار نائباً للمدير العام، ومازن صالحاني رئيساً لمجلس الإدارة.

لكن استمرار تداول هذه المعلومات عبر تقارير إعلامية، بدلاً من صدورها في إعلان حكومي واضح ومتكامل، أبقى جانباً من هيكلية الصندوق عرضة للتساؤلات.

أصول مرتبطة بعهد الأسد

تزداد أهمية النقاش حول الحوكمة مع ارتباط جزء من أصول الصندوق بممتلكات وإمبراطوريات اقتصادية تشكلت خلال عهد بشار الأسد، في وقت تعمل فيه السلطات الجديدة على استعادة أو إعادة تنظيم أصول رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق.

وذكرت وكالة رويترز في تقرير لاحق أن السلطات كانت تسعى إلى تمرير تسويات مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق عبر لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، قبل نقل الأصول إلى الصندوق السيادي.

وأفادت رويترز بأن الصندوق أصبح يحتفظ بمئات الشركات والمباني والمصانع والأصول المرتبطة بأشخاص متهمين بصلاتهم بالنظام السابق.

وكانت الوكالة قد وثقت خلال عام 2025 تشكيل لجان لفحص إمبراطوريات اقتصادية مرتبطة برجال أعمال مقربين من الأسد، إلى جانب تجميد شركات وحسابات مرتبطة بهم ضمن عملية أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد.

كما أشار أحد تقارير رويترز إلى توقيف محاميين يعملان لدى الصندوق على ذمة تحقيقات تتعلق بادعاءات فساد، مع تأكيد السلطات أن الاتهامات لم تثبت.

وتضع هذه التطورات الصندوق أمام مهمة تتجاوز إدارة مؤسسة استثمارية جديدة، إذ بات جزء من عمله مرتبطاً بعملية انتقال أصول كانت ضمن منظومة اقتصادية وسياسية سابقة إلى مؤسسة ترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.

هل يصبح الموقع منصة للإفصاح؟

أطلق الصندوق موقعه الإلكتروني الرسمي في حزيران/يونيو 2026، بعد نحو عام من تأسيسه. وقال الفار في حينه إن الموقع سيكون منصة للتعريف بأعمال الصندوق ورؤيته وتوجهاته المستقبلية.

إلا أن وجود موقع إلكتروني لا يحسم وحده مسألة الشفافية، ما لم يتحول إلى أداة للإفصاح المؤسسي عن المعلومات التي يمكن نشرها، بما في ذلك ما يتعلق بالأصول والحوكمة والقرارات المالية ونتائج التدقيق.

وتتركز نقطة الخلاف الأساسية بين الصندوق ومنتقدي مستوى الإفصاح حول مفهوم الشفافية وحدودها وتوقيتها. فالفار يربطها بدقة المعلومات واكتمالها والتوقيت المناسب لنشرها، بينما يرى منتقدون أن مرور أكثر من عام على تأسيس المؤسسة يبرر نشر حد أدنى من المعلومات الأساسية التي لا تتعارض مع سرية الصفقات أو حماية القيمة الاستثمارية للأصول.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أوسع بالنسبة إلى الاقتصاد السوري في المرحلة الانتقالية، إذ إن قدرة الصندوق على وضع قواعد واضحة للحوكمة والإفصاح يمكن أن تؤثر في صورة إدارة الأصول العامة وفي ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها المالية الدولية وجذب الاستثمارات.

في المقابل، قد يؤدي استمرار نقص المعلومات إلى زيادة التساؤلات المتعلقة بالحوكمة في مؤسسة تدير أصولاً ذات صلة بالمال العام.

السؤال الأهم: من يقرر بشأن الأصول؟

لا يتعلق الجدل فقط بحجم الأصول التي يديرها الصندوق، وإنما أيضاً بالجهة التي تتخذ القرارات المتعلقة بها، وآليات الرقابة عليها، وكيفية ضمان إدارة هذه الممتلكات وفق قواعد مؤسسية واضحة.

وبموجب المرسوم، فإن الصندوق مؤسسة مرتبطة برئاسة الجمهورية وتدير أصولاً وموارد ذات صلة بالمال العام، ما يجعل قواعد الشفافية والرقابة جزءاً أساسياً من تقييم أدائه، حتى مع اختلاف طبيعة عمله الاستثماري عن المؤسسات الحكومية التقليدية.

ولا تعني المطالبة بمزيد من الإفصاح وجود دليل على فساد داخل الصندوق، كما لا تسمح المعلومات المتاحة بإطلاق مثل هذا الاستنتاج. لكن نشر المعلومات الأساسية يمكن أن يشكل إحدى أدوات الحوكمة والرقابة، وأن يقلل مساحة الشكوك المرتبطة بإدارة الأصول.

وفي المقابل، تبقى حجة الصندوق بشأن ضرورة حماية بعض المعلومات خلال مراحل التقييم وإعادة الهيكلة والتفاوض قائمة، إذ إن الكشف المبكر عن تفاصيل أصل أو صفقة محتملة قد يؤثر في قيمته أو يضعف الموقف التفاوضي.

لذلك، يتمثل التحدي في تحديد المعلومات التي ينبغي نشرها فوراً، وتلك التي يمكن تأجيل الإفصاح عنها، والبيانات التي يتطلب الحفاظ على المصالح التجارية أو القانونية إبقاءها سرية لفترة محددة.

وبينما يقول الفار إن استكمال حصر الأصول وتقييمها وإعادة تنظيمها يحتاج إلى وقت، يرى شعار أن عدداً من المعلومات الأساسية لا يرتبط بهذه العمليات، وفي مقدمتها أسماء المسؤولين، والهيكل الإداري، وآليات اتخاذ القرار والرقابة، والقيمة الإجمالية للأصول، ومصادرها، وطبيعة العلاقة بين الصندوق والدولة والموازنة العامة.

وبذلك، لا يبدو الاختبار الأساسي أمام الصندوق مرتبطاً فقط بقدرته على تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى استثمارات منتجة، وإنما أيضاً بقدرته على بناء إطار واضح يمكن من خلاله للرأي العام معرفة ما يكفي عن تلك الأصول والجهات التي تديرها والقواعد التي تحكم القرارات المتعلقة بها.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.