توقيف صحفي بعد خلاف على ركن سيارة.. روايتان متعارضتان وأسئلة عن أداء الأمن في دمشق
لم يحتج الخلاف الذي وقع في أحد شوارع دمشق على ركن سيارة إلى أكثر من دقائق ليتحول إلى قضية أمنية وقانونية مفتوحة على روايتين متناقضتين. فقد أوقفت السلطات السورية الصحفي أمجد الصاري، فيما بات شقيقه المحامي طامي الصاري موقوفاً أيضاً على ذمة التحقيق، بعد مشادة شارك فيها عناصر من شرطة المرور والأمن.
وبينما تقول العائلة إن التوقيف جاء دون مسوغ قانوني واضح وتتهم عناصر أمنية بالاعتداء على طامي، تقدم الرواية الأمنية صورة مختلفة، تتحدث عن مخالفة مرورية تطورت إلى اعتداء على ضابط واشتباك مع عناصر الشرطة. وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم: كيف تحولت مخالفة تتعلق بموقف سيارة إلى واقعة تستدعي التوقيف والاتهامات المتبادلة؟
رواية العائلة: اعتداء وتوقيف بلا مبرر
قال سامي الصاري إن شقيقه أمجد، الصحفي، موقوف في قسم شرطة كفرسوسة، معتبراً أن توقيفه جاء وسط محاولات لتوجيه اتهامات إليه لا تستند، بحسب قوله، إلى أساس واضح.
وأضاف أن شقيقه المحامي طامي تعرض للضرب على رأسه من عناصر تابعين لقسم شرطة باب مصلى، ما أدى إلى إصابته ونزيف من رأسه، محملاً وزارة الداخلية والجهات الأمنية مسؤولية سلامتهما.
وفي منشور لاحق، قال سامي إن أمجد وطامي موقوفان على ذمة التحقيق، وإن الضابط والشرطي المشاركين في الواقعة موقوفان أيضاً بناء على شكوى تقدم بها شقيقه.
وتراجع سامي لاحقاً عن بعض منشوراته، مؤكداً أن شقيقيه بخير، ومحذراً من تداول معلومات غير موثقة حول القضية.
الرواية الأمنية: مخالفة تحولت إلى مشادة
في المقابل، قال مصدر أمني لوسائل إعلام شبه رسمية إن الحادثة بدأت عندما أوقِف أمجد وطامي بسبب ركن السيارة في مكان مخالف، ورفضهما إبراز أوراقها لشرطي المرور.
وبحسب الرواية الأمنية، حاول ضابط القطاع مصطفى قلعجي منع السيارة من مغادرة المكان، قبل أن تتطور الملاسنة إلى اشتباك. واتهم المصدر طامي بالاعتداء على الضابط وتمزيق بدلته العسكرية ومحاولة خنقه، فيما قال إن أمجد حاول تصوير العناصر ووجه إليهم الشتائم.
وأشار المصدر إلى أن دورية من مباحث المرور سلمت أمجد في الرابعة عصراً، وأن الضبط القانوني نُظم واستُمع إلى إفادات عدد من الشهود، بينما بقي طامي متوارياً قبل أن يصبح موقوفاً لاحقاً وفق إفادة العائلة.
لكن اللافت أن المصدر الأمني أقر في الوقت نفسه بأن شرطي المرور “أقدم بدوره على ضرب الصاري خلال الحادثة”، ما يعني أن القضية لم تكن مواجهة أحادية الطرف، وأن التحقيق يفترض أن يحدد مسؤولية كل طرف بصورة مستقلة.
قضية صغيرة تكشف مشكلة أكبر
قد تنتهي الواقعة قضائياً إلى تحديد مسؤوليات واضحة بحق الأطراف جميعاً، لكن طريقة تطورها تطرح مشكلة تتجاوز الخلاف الأصلي. فالمواطن الذي يدخل في مشادة مع رجل أمن يحتاج إلى ضمان أن القانون سيكون الحكم بين الطرفين، لا أن يتحول ميزان القوة نفسه إلى جزء من النزاع.
وتكتسب القضية حساسية إضافية لأن أحد طرفيها صحفي والآخر محامٍ، ولأن الروايتين تكشفان منذ اللحظة الأولى فجوة في الثقة بين العائلة والمؤسسات الأمنية.
وبينما تتحدث وزارة الداخلية عملياً عن واقعة قابلة للحل ضمن القانون، فإن الاعتراف بوقوع ضرب من جانب أحد عناصرها يجعل المساءلة الداخلية جزءاً لا يقل أهمية عن التحقيق مع المدنيين.
المشكلة، إذن، ليست في مخالفة مرورية ولا في خلاف على موقف سيارة، بل في قدرة المؤسسات الأمنية على ضبط عناصرها، واحترام الإجراءات، ومنع حادث عابر من التحول إلى أزمة ثقة.
حتى الآن، لا تزال القضية قيد التحقيق، وتبقى الروايات المتبادلة بحاجة إلى حسم قضائي موثق. لكن الحكومة الانتقالية ستكون مطالبة، في مثل هذه الوقائع، بأن تثبت أن القانون يعمل بالاتجاهين: يحاسب المواطن عند الخطأ، ويحميه أيضاً عندما يتجاوز رجل الأمن حدود صلاحياته.
اقرأ أيضاً: استدعاء صحفي في دمشق بسبب رسالة “واتساب”.. ما علاقة إذاعة “صوت الشام”؟