شبهات تزوير.. قطع أثرية عادت إلى سوريا من امريكا تثير جدلاً

أعادت الولايات المتحدة إلى سوريا 36 قطعة أثرية صودرت خلال تحقيقات مرتبطة بتهريب الآثار، في مراسم أقيمت بمدينة نيويورك في 23 أيلول/سبتمبر، لكن استعادة القطع فتحت في الوقت نفسه نقاشاً حول أصالة عدد من الفسيفساء التي وصلت إلى الجانب السوري.

وتقول الباحثة الفرنسية في تاريخ الفن والآثار دجميلا فلاق إن ثلاثاً على الأقل من أصل 14 فسيفساء ضمن المجموعة تحمل مؤشرات على أنها نسخ حديثة، بينما ترى أن فسيفساء رابعة تحتاج إلى مزيد من البحث للتأكد من أصالتها. في المقابل، لم يصدر في المادة ما يفيد بحسم السلطات السورية أو الأميركية هذه الشكوك، إذ قال مسؤول سوري إن التحقق النهائي من أصالة القطع يتطلب فحصها من مختصين بعد وصولها إلى البلاد.

36 قطعة أثرية تعود إلى سوريا

أعلن مكتب المدعي العام في مانهاتن أن قيمة القطع التي جرى تسليمها تتجاوز 5 ملايين دولار. وتضم المجموعة 14 فسيفساء، من بينها فسيفساء “تيليتي وإيروس”، وهي جزء من أرضية فسيفسائية يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

كما تشمل المجموعة 13 فسيفساء أخرى قال مكتب المدعي العام إنها نُهبت من فيلا رومانية في سوريا، إلى جانب نقش جنائزي من تدمر وثلاثة تماثيل نسائية سورية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

وجاءت عملية التسليم بعد تحقيق استمر عدة سنوات وامتد إلى أكثر من دولة، وفق مكتب المدعي العام في مانهاتن، الذي أوضح أن 31 قطعة من المجموعة المعادة إلى سوريا ترتبط بالتحقيقات التي أجراها حول تاجر الآثار اللبناني جورج لطفي.

شكوك حول 3 فسيفساء

أثارت الباحثة دجميلا فلاق تساؤلات بشأن عدد من الفسيفساء المعادة، في منشور نشرته عبر حسابها على “لينكد إن”، وأرفقته بصورة من وكالة الأنباء السورية “سانا” لمراسم إعادة القطع.

وقالت فلاق إن ثلاثاً على الأقل من الفسيفساء الـ14 تحمل مؤشرات على أنها نسخ حديثة، واعتبرت أن إحدى القطع “مزيفة بشكل واضح”، بينما رأت أن تحديد وضع القطعتين الأخريين يحتاج إلى مزيد من التدقيق. كما أبدت شكوكاً بشأن أصالة فسيفساء رابعة.

واستندت فلاق، في إحدى الحالات التي أشارت إليها، إلى مقارنة بين فسيفساء معادة إلى سوريا وقطعة أصلية اكتُشفت خلال أعمال تنقيب في كنيسة سورية بين عامي 1973 و1976. ووفق تحليلها، فإن التشابه بين العملين يشير إلى أن القطعة المعادة صُنعت بعد اكتشاف الفسيفساء الأصلية.

وتطرح هذه الملاحظات إشكالية تتعلق بالقطع الأثرية التي صادرتها السلطات الأميركية وأعادت توزيعها إلى دول يُعتقد أن الأعمال خرجت منها، ولا سيما في ظل الجدل السابق الذي رافق مجموعة جورج لطفي.

قضية جورج لطفي والقطع المصادرة

صادرت السلطات الأميركية في تموز/يوليو 2021 نحو 23 فسيفساء من مستودع تابع لجورج لطفي في ولاية نيوجيرسي، وكانت 14 منها ضمن المجموعة التي أعيدت إلى سوريا.

وبحسب مكتب المدعي العام في مانهاتن، ترتبط 31 قطعة من المجموعة السورية بتحقيقاته حول لطفي، الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف أميركية عام 2022، ثم أُدرج اسمه في نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول عام 2023.

وكانت مجموعة لطفي قد أثارت في وقت سابق نقاشاً حول أصالة بعض القطع الموجودة فيها. ففي عام 2024، قالت فلاق إن ثماني فسيفساء من أصل تسع صادرتها السلطات الأميركية من المجموعة وأعادتها إلى لبنان هي نسخ حديثة، وذلك بعد مقارنتها بأعمال أصلية معروفة.

كما أظهرت مراسلات مرتبطة بالقضية أن لطفي أبلغ مساعد المدعي العام في مانهاتن ماثيو بوغدانوس بأن عدداً من الفسيفساء الموجودة بحوزته كانت نسخاً مزيفة. وقال لطفي إنه كان يعتقد عند شرائه تلك القطع في ثمانينيات القرن الماضي أنها أصلية، قبل أن يبدأ لاحقاً في التحقق من مصادرها.

في المقابل، قال مكتب المدعي العام في مانهاتن، في القضية الخاصة بالقطع التي أعيدت إلى لبنان، إن خبراء متخصصين أكدوا أصالة تلك الأعمال، وإن المحكمة أخذت تحليلات الخبراء المتعلقة بأصالتها في الاعتبار. وينفي لطفي الاتهامات المتعلقة بالاتجار غير المشروع بالآثار.

ماذا تضم المجموعة المعادة؟

لا تقتصر القطع المستردة على الفسيفساء، إذ تضم المجموعة نقشاً جنائزياً من الحجر الجيري يعود إلى تدمر، يصور رجلاً مستلقياً تحيط به امرأة وثلاثة أطفال، ويزن أكثر من 450 كيلوغراماً.

ووفق مكتب المدعي العام في مانهاتن، أُزيل النقش من جدار غرفة دفن داخل أحد قبور تدمر، ثم نُقل إلى دبي قبل شحنه إلى نيويورك عام 2011.

وتضم المجموعة أيضاً ثلاثة تماثيل نسائية سورية-حيثية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

وقال مدير شؤون المتاحف في سوريا عمار كناوي لصحيفة “الثورة السورية” إن القطع المستعادة ليست من مقتنيات المتاحف السورية، وإنما أُخرجت من مواقع أثرية نتيجة أعمال تنقيب غير قانونية قبل تهريبها إلى خارج البلاد.

وأضاف كناوي أن السلطات السورية عملت خلال الأشهر الماضية على تقييم القطع والتحقق من ارتباطها بسوريا وأصالتها، لكنه أوضح أن التأكد من أصالة جميع الأعمال يحتاج إلى فحص مباشر من خبراء سوريين مختصين بعد وصولها إلى البلاد.

قطع من المتروبوليتان ومجموعة شتاينهارت

وبحسب مكتب المدعي العام في مانهاتن، شملت التحقيقات المرتبطة بعملية الاسترداد قطعاً كانت موجودة في مؤسسات ومجموعات خاصة داخل الولايات المتحدة.

وصودرت 13 قطعة من متحف المتروبوليتان للفنون، بينما جاءت أربع قطع من مجموعة جامع الآثار الأميركي مايكل شتاينهارت.

وقال المكتب إن التحقيقات المرتبطة بشتاينهارت أدت في وقت سابق إلى مصادرة 180 قطعة أثرية تقدر قيمتها بنحو 70 مليون دولار.

كما شملت التحقيقات قطعة أخرى أعيدت إلى سوريا، كان تاجر آثار قد أُدين بتهريبها في قضية منفصلة عام 2025.

وبينما تمثل إعادة القطع خطوة لاسترجاع آثار قالت السلطات الأميركية إنها خرجت من سوريا بطرق غير قانونية، فإن الجدل حول أصالة بعض الفسيفساء يجعل التحقق الفني من الأعمال المستعادة جزءاً آخر من مسار استعادتها، وهو ما تقول السلطات السورية إنه يتطلب فحصاً متخصصاً للقطع بعد وصولها إلى البلاد.

اقرأ أيضاً:الداخلية السورية: القبض على المتورطين في نهب مقتنيات المتحف الوطني بدمشق

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.