كيف تستعيد الصادرات السورية مكانتها؟ طريق التعافي يمر عبر الجودة لا الأرقام
تسجل الصادرات السورية مؤشرات تحسن تدريجي بعد سنوات طويلة من الانكماش، إلا أن الطريق نحو استعادة موقع المنتجات السورية في الأسواق العالمية لا يزال محفوفاً بعقبات بنيوية تتجاوز حدود الإنتاج، لتشمل البنية التحتية، والتشريعات، والتمويل، وجودة التصنيع، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية الانتقالية إلى إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر انفتاحاً وتنافسية.
ورغم تجاوز قيمة الصادرات ملياري دولار خلال عام 2025، فإن هذا الرقم يبقى متواضعاً مقارنة بالإمكانات الاقتصادية التي تمتلكها سوريا قبل سنوات الحرب، وبحجم الأسواق التي فقدها المنتج السوري خلال العقد الماضي.
إرث ثقيل يحدّ من عودة المنتج السوري
لا ترتبط أزمة التصدير اليوم بالحرب وحدها، بل تمتد إلى تراكمات اقتصادية وصناعية أضعفت ثقة الأسواق الخارجية بالمنتجات السورية. فقد أدى تراجع معايير الجودة خلال سنوات حكم النظام السابق، إلى جانب ضعف الرقابة وغياب التطوير الصناعي، إلى خسارة أسواق تاريخية كانت تستوعب المنتجات السورية لعقود.
ورغم رفع جزء من القيود الخارجية وعودة بعض المعابر والأسواق الإقليمية، ما يزال المنتج السوري يواجه منافسة قوية من منتجات أقل تكلفة وأكثر التزاماً بالمواصفات العالمية.
الإنتاج أولاً… ثم التصدير
يرى خبراء اقتصاديون أن أي استراتيجية حقيقية لزيادة الصادرات تبدأ بإعادة بناء القاعدة الإنتاجية، وليس بالاكتفاء برفع أرقام التصدير. فضعف الكهرباء، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتقادم خطوط الإنتاج، وغياب التمويل الميسر، كلها عوامل تقلل القدرة التنافسية للمنتج السوري.
كما أن إعادة تأهيل شبكات النقل والطاقة والمياه أصبحت شرطاً أساسياً لخفض كلفة الإنتاج وتحسين جودة السلع القابلة للتصدير.
الجودة… مفتاح العودة إلى الأسواق العالمية
يؤكد مختصون أن استعادة ثقة الأسواق لن تتحقق إلا عبر منظومة صارمة للمواصفات والجودة، تترافق مع رقابة فعلية، وعلامة تجارية وطنية تمنح للمنتجات المطابقة للمعايير الدولية.
وتبرز قطاعات تمتلك فيها سوريا ميزات تنافسية واضحة، مثل الصناعات الغذائية، والنباتات الطبية والعطرية، وصناعة النسيج، وزيت الزيتون، وصابون الغار، والصناعات الجلدية، وهي قطاعات قادرة على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة إذا انتقلت من تصدير المواد الخام إلى المنتجات النهائية.
دور الحكومة الانتقالية
تعمل الحكومة السورية الانتقالية على إطلاق مسار إصلاحي يشمل تحديث التشريعات الاقتصادية، والتحول الرقمي في إدارة الصادرات، وتطوير منظومة المواصفات، إلى جانب توسيع الأسواق الإقليمية أمام المنتجات السورية.
ويرى اقتصاديون أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهوناً باستكمال إصلاح البيئة الاستثمارية، وتوفير التمويل، ودعم الصناعات التصديرية، وإنشاء مدن صناعية متخصصة، وتقديم حوافز ضريبية للمصدرين، بما يضمن إنتاجاً قادراً على المنافسة وليس مجرد زيادة في الكميات.
من “صنع في سوريا” إلى علامة ثقة
لا يبدو التحدي الحقيقي في رفع قيمة الصادرات فحسب، بل في إعادة بناء صورة المنتج السوري في الخارج. فاستعادة الأسواق تتطلب مشروعاً طويل الأمد يقوم على الجودة والابتكار والاستقرار التشريعي، بعيداً عن السياسات قصيرة الأجل.
ومع استمرار تعافي الاقتصاد السوري تدريجياً، تبقى قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل شعار “صنع في سوريا” إلى علامة تجارية موثوقة هي الاختبار الأهم، لأن المنافسة في الأسواق العالمية لا تُحسم بالأرقام وحدها، بل بالثقة التي يحملها المنتج في أعين المستهلكين.
اقرأ أيضاً: الصادرات الأردنية إلى سوريا ترتفع بنسبة 47% مطلع 2026
حساباتنا: فيسبوك تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام