كوارث سوريا الطبيعية: بين خسائر المزارعين ومعضلة التعويضات الاقتصادية

باتت الكوارث الطبيعية في سوريا خلال السنوات الأخيرة جزءاً من مشهد متكرر يهدد الاستقرار المعيشي والغذائي. وتتسبب الحرائق والفيضانات والسيول الموسمية بخسائر فادحة تطال الأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة والبنى التحتية، مما يضع ملف تعويض المتضررين في صدارة القضايا الحساسة المرتبطة بالأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد.

القطاع الزراعي في سوريا: المتضرر الأكبر من الفيضانات والحرائق

تُعد المناطق الريفية والزراعية الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية في سوريا. فالأمر لا يقتصر على خسارة المحصول الفورية، بل يمتد ليشمل ضياع تكاليف الإنتاج من بذار، وأسمدة، ومحروقات، وأجور يد عاملة أنفقت على مدار أشهر.

1. فيضانات دير الزور وتلف المحاصيل

في ريف دير الزور، تسبب ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات مؤخراً بغمر مساحات شاسعة من الأراضي.

ويروي المزارع محمود البدران، من قرية حويجة كاطع، خسارته لـ 50 دونماً من محصول القمح بسبب الفيضانات. ورغم تلقيه سلالاً غذائية إغاثية، يؤكد البدران أن المساعدات العينية لا تعوض دخل موسم كامل، مشدداً على حاجة الفلاحين لبرامج دعم مستدامة لإعادة استثمار أراضيهم.

2. حرائق المحاصيل في الرقة.. كابوس موسم الحصاد

في محافظة الرقة، تتخذ المعاناة شكلاً آخر مع بدء الصيف، حيث تلتهم الحرائق آلاف الدونمات نتيجة الظروف الجوية أو الحوادث العرضية.

ويشير المزارع درويش الخليل، من قرية رقة سمرا بالريف الشرقي، إلى أن حريقاً مفاجئاً قضى على 90 دونماً من القمح تعب في زراعتها أشهراً طويلة، واصفاً التعويض الاقتصادي في هذه المرحلة بالضرورة الاجتماعية الملحة لإنقاذ العائلات من الفقر.

آليات مبتكرة لتعويض المتضررين دون إرهاق الموازنة العامة

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وشح الموارد المالية، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن في زيادة الإنفاق الحكومي المباشر، بل في ابتكار سياسات مرنة ومستدامة.

وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي محمد الجوهري مجموعة من الحلول البديلة:

  • الدعم العيني المباشر: استبدال التعويضات النقدية بتوفير مستلزمات الإنتاج الأساسية (البذور، الأسمدة، الآلات الزراعية، ومواد البناء) لضمان عودة المزارعين إلى الإنتاج سريعاً.

  • التسهيلات المالية والضريبية: تقديم قروض ميسرة طويلة الأجل للمتضررين، تأجيل سداد الالتزامات المصرفية السابقة، ومنح إعفاءات ضريبية شاملة للمناطق التي تُعلن “مناطق منكوبة”.

  • الشراكات الدولية والمحلية: إعادة توجيه الموارد المتاحة عبر تفعيل الشراكات مع المنظمات الدولية، وصناديق الإغاثة، وإشراك القطاع الخاص والمؤسسات المصرفية في برامج إعادة التأهيل.

تأسيس صندوق وطني لإدارة مخاطر الكوارث: ضرورة وليس خياراً

مع تزايد حدة التغير المناخي وتكرار السيول والحرائق، يشدد المختصون على أهمية الانتقال من “الإجراءات المؤقتة” إلى “العمل المؤسسي المستدام” عبر إنشاء صندوق وطني متخصص لإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية.

تفاصيل الصندوق الوطني المقترح
الهدف الأساسي
مصادر التمويل
الأثر الإيجابي

التكنولوجيا والشفافية: معايير تحقيق العدالة الاجتماعية

تعتبر الشفافية في تقدير الأضرار ركيزة أساسية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين. ويتطلب ذلك اعتماد معايير موحدة تعتمد على الجانب الفني والتقني بعيداً عن البيروقراطية:

  1. الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة: استخدام صور الأقمار الصناعية، الطائرات المسيّرة (Drones)، والخرائط الرقمية لتوثيق المساحات المتضررة بدقة واحترافية.

  2. اللجان المستقلة: تشكيل لجان فنية محايدة تضم خبراء مهندسين وزراعيين لتقييم الخسائر ميدانياً.

  3. العلنية وحق التظلم: إعلان قوائم المستفيدين والمساحات المتضررة بشكل شفاف، مع إتاحة نافذة واضحة وموثوقة لتقديم الاعتراضات والمراجعة.

خلاصة: إن حماية القطاع الزراعي في سوريا من تبعات الحرائق والفيضانات لم تعد مجرد لفتة إنسانية، بل هي استراتيجية اقتصادية حتمية لمنع خروج الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج، وتأمين لقمة عيش آلاف الأسر السورية.

إقرأ أيضاً: فيضان نهر الفرات في دير الزور.. غرق آلاف الدونمات الزراعية ولجنة رسمية لصرف التعويضات

إقرأ أيضاً: حرائق الحسكة تلتهم الحقول وتخنق الطرقات.. كارثة زراعية جديدة في شرق سوريا

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.