ثقافة الثأر والسلم الأهلي: كيف يهدد الانتقام العشائري الاستقرار السياسي؟
لا تقتصر ثقافة الثأر على كونها ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالعادات والتقاليد الموروثة، بل تتجاوز ذلك لتصبح عاملاً حاسماً في تقويض الاستقرار السياسي والأمني والسلم الأهلي. فالنزاعات التي تبدأ بخلافات فردية أو عائلية سرعان ما تتطور إلى صراعات عشائرية ممتدة، ما يمزق النسيج المجتمعي ويعيق جهود التنمية وإعادة الإعمار في المجتمعات التي تعاني من الأزمات.
تتحول هذه الظاهرة إلى منظومة فكرية تتناقلها الأجيال مستغلةً غياب الثقة بالمؤسسات القضائية، وتزداد خطورتها عندما يتم توظيفها سياسياً من قِبل أطراف تسعى لتأجيج الصراعات وإفشال جهود المصالحة الوطنية.
جذور ظاهرة الثأر: البيئات الهشة وغياب سلطة القانون
يشير المحلل السياسي حسام نجار (المقيم في بولندا) إلى أن ظاهرة الثأر والقتل تنتشر بصورة أوضح في البيئات المعقدة التي تعاني من هشاشة سياسية وأمنية نتيجة الحروب والصراعات الداخلية.
أبرز العوامل المغذية لجرائم الثأر:
-
غياب القوانين الصارمة: عجز المؤسسات القضائية عن إعادة الحقوق لأصحابها يدفع الأفراد لأخذ العدالة بأيديهم.
-
حجم الصدمة النفسية: ردود الفعل على جرائم مثل القتل والاغتصاب تكون بحجم الفعل أو أكبر منه، نظراً لآثارها العميقة على تماسك البنية الاجتماعية.
-
محدودية الخطاب الديني التوعوي: رغم تأثير الخطاب الديني في المجتمعات المحافظة، إلا أن كبح جماح الانتقام يتطلب خططاً حكومية ممنهجة لرفع الوعي، ولا ينتهي بمجرد المواعظ.
معضلة التسامح دون عدالة: يؤكد نجار أن مطالبة شخص فقد أفراداً من عائلته بالتسامح ليست مسألة سهلة؛ فالمتضرر لن يتقبل رؤية الجاني يعيش حياته بحرية دون عقاب. لذا، فإن تحقيق العدالة الصارمة والقصاص القانوني هو الركيزة الأولى لزرع فكرة العفو.
الثأر كسلوك هدّام وتأثيره على المراحل الانتقالية
من جانبه، يصف الكاتب والباحث عبد الرحمن ربوع (المقيم في القاهرة) الثأر بأنه “سلوك هدّام ومعول هدم لكل جهود التهدئة” التي يبذلها قادة ووجهاء المجتمع، لا سيما في فترات الفوضى وعدم اليقين.
ويرى ربوع أن المجتمعات التي تعاني من انقسامات عرقية، طائفية، أو عشائرية تكون الأكثر حاجة لإقصاء هذه الظاهرة، لأن الثأر يرسخ الانقسام ويعمق الجراح القائمة، صابّاً مزيداً من الوقود على نار التوترات السياسية.
التوظيف السياسي وفوضى الخطاب في الحالة السورية
في الفترات الانتقالية، يفترض بالسياسة أن تكون قنوات لتسوية النزاعات عبر القانون، لكنها تتحول أحياناً إلى عامل سلبي يستثمر في الأحقاد.
وفي تشخيصه للواقع الحالي (خاصة في الحالة السورية)، يبرز ربوع عدة تحديات تواجه السلم الأهلي:
-
تخبط مؤسسات الدولة: لا تزال مؤسسات السلطة الانتقالية في مراحل إعادة الهيكلة وتعاني من تخبط في السياسات، ما يجعلها عاجزة عن احتواء الفوضى اليومية.
-
استغلال المنابر الثقافية والدينية: يلاحظ أن بعض المحسوبين على المؤسسات الدينية أو المنابر الثقافية يساهمون في إشعال خطاب الكراهية بدلاً من الحد منه.
-
الاستثمار الإقصائي: تستغل بعض القوى والفصائل السياسية مشاعر الكراهية والعنصرية والثأر بهدف إقصاء الخصوم وإضعافهم، مما يدخل المجتمع في دوامة عنف مستمرة.
خارطة الطريق: كيف نحمي المجتمع من دوامات الانتقام؟
تتطلب معالجة ثقافة الثأر وبناء سلم أهلي مستدام استراتيجية شاملة تشترك فيها أجهزة الدولة والمجتمع المدني:
| المحور | الإجراءات المطلوبة |
| المحور القانوني والقضائي | وضع تشريعات صارمة وتطبيق العقوبات المشددة بحق مرتكبي جرائم الدم والاغتصاب لضمان الردع وإرساء العدالة. |
| المحور المؤسسي | الإسراع في بناء وتطوير مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية المستقلة لتعزيز ثقة المواطن بالاحتكام إلى القانون. |
| المحور النفسي والاجتماعي | تضافر جهود المشرعين مع الأخصائيين النفسيين لمعالجة آثار الصدمات المجتمعية، ودعم حكماء ووجهاء العشائر في فض النزاعات ودياً بعد نيل الجناة عقابهم القانوني. |
خلاصة: إن إنهاء ثقافة الثأر في المجتمعات الخارجية من الحروب لا يتحقق بالشعارات الشفوية، بل بوجود دولة قانون قوية وعادلة تسحب من الأفراد ذريعة الانتقام الفردي، وتستبدل “شريعة الغاب” بمنظومة قضائية مؤسسية موثوقة.
إقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في سوريا.. تحريض بلا محاسبة وانتقائية قانونية تهدد السلم الأهلي
إقرأ أيضاً: السلاح المنفلت في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي بعد سقوط نظام الأسد