خطاب الكراهية في سوريا.. تحريض بلا محاسبة وانتقائية قانونية تهدد السلم الأهلي
في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسامات، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل الآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة لخطابات التحريض والتخوين والكراهية، في مشهد يعكس هشاشة المشهد الاجتماعي والسياسي السوري، ويفضح عجز مؤسسات الدولة عن فرض معايير قانونية واحدة على جميع الفاعلين.
ورغم أن القوانين السورية تجرّم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية وإثارة النعرات عبر الوسائل التقليدية والرقمية، إلا أن السؤال الذي يزداد حضوراً في الشارع السوري لا يتعلق بوجود النصوص، بل بمن يطبقها وكيف تُطبّق. فبينما تُلاحق بعض الأصوات والآراء على منصات التواصل، تتهم جهات حقوقية وناشطون السلطات بغضّ الطرف عن خطاب تحريضي يصدر أحياناً عن شخصيات محسوبة على مراكز نفوذ أو مجموعات مقربة من السلطة، ما يخلق انطباعاً بوجود عدالة انتقائية تقوّض الثقة بالقانون نفسه.
القانون بين حماية المجتمع وخطر التوظيف السياسي
ويؤكد مختصون قانونيون أن التحريض الطائفي لا يدخل في إطار حرية التعبير، بل يشمل كل خطاب متعمد يدعو إلى الكراهية أو الإقصاء أو العنف ضد فئة اجتماعية أو دينية أو قومية. وتزداد خطورته في الفضاء الإلكتروني بسبب سرعة انتشاره وقدرته على البقاء وإعادة إنتاج الانقسامات داخل المجتمع.
وتنص القوانين السورية، بما فيها قانون العقوبات وتشريعات الجرائم المعلوماتية، على ملاحقة هذه الأفعال وفرض عقوبات قد تصل إلى السجن لسنوات طويلة في الحالات التي تؤدي إلى اضطرابات أو جرائم عنف، إلا أن فعالية هذه القوانين تبقى مرتبطة باستقلال القضاء وتطبيقها دون استثناء أو انتقائية.
حين تتحول الشاشات إلى وقود للانقسام
يحذر مختصون في علم الاجتماع من أن أخطر ما في التحريض الإلكتروني أنه لا يبقى حبيس الهواتف والشاشات، بل ينتقل تدريجياً إلى الشارع، حيث يعمّق الانقسامات الطائفية والاجتماعية ويخلق شعوراً متبادلاً بالخوف والعداء بين أبناء المجتمع الواحد.
ومع استمرار غياب العدالة الشاملة ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو قربهم من مراكز القرار، تصبح بيئة التحريض أكثر خصوبة، ويتحول الخطاب المتطرف إلى أداة لإعادة إنتاج الصراعات القديمة تحت عناوين جديدة.
السلم الأهلي لا يُحمى بالانتقائية
إن مواجهة خطاب الكراهية في سوريا لا تتحقق عبر ملاحقة طرف والتغاضي عن آخر، ولا من خلال استخدام القوانين كأدوات لضبط الخصوم فقط، بل عبر منظومة عدالة مستقلة تلاحق كل من يحرض على العنف أو الكراهية، سواء كان معارضاً أو موالياً أو قريباً من السلطة.
وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، فإن استمرار الخطابات التحريضية دون محاسبة متساوية قد يحوّل الفضاء الرقمي إلى مرآة لأزمة أعمق: دولة لم تنجح بعد في بناء الثقة بين مواطنيها، ومجتمع ما يزال يبحث عن عدالة لا تعرف الانتماءات ولا تقف عند حدود النفوذ.