الأمن الغذائي في مهب الأزمات.. هل أخفقت الحكومة السورية في إنقاذ الزراعة والصناعة؟

الزراعة والصناعة والغذاء.. ثلاث قطاعات يفترض أن تقود التعافي الاقتصادي في سوريا، لكنها ما تزال تدور في حلقة من الوعود والمؤتمرات، بينما تتآكل مقومات الإنتاج يوماً بعد آخر ويصبح الأمن الغذائي في مهب الأزمات. وفي ظل استضافة دمشق المعرض والمؤتمر الدولي لقطاعات الزراعة والغذاء والصناعة بمشاركة أكثر من 200 شركة من 14 دولة، تبدو الصورة خارج قاعات المعرض مختلفة تماماً؛ أراضٍ زراعية تعاني الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، مصانع تعمل بجزء محدود من طاقتها، وسوق غذائية تتآكل تحت ضغط التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

ورغم الخطاب الرسمي الذي يربط بين الاستثمار والشراكات ومرحلة التعافي، إلا أن المؤشرات الميدانية تكشف أن الحكومة السورية الانتقالية لم تنجح حتى الآن في بناء بيئة اقتصادية قادرة على تحويل هذه المؤتمرات إلى نتائج ملموسة، في ظل استمرار الأزمات البنيوية التي تضرب القطاعات الإنتاجية منذ سنوات.

الزراعة… إنتاج يواجه البقاء

تمثل الزراعة العمود الفقري للاقتصاد السوري، إلا أنها تواجه اليوم واحدة من أصعب مراحلها. فارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار، وتراجع مصادر المياه، والجفاف، وضعف شبكات الري، جميعها عوامل دفعت آلاف المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو الخروج نهائياً من دائرة الإنتاج.

ورغم تأكيد وزير الزراعة باسل السويدان أن دعم المزارع يمثل أولوية لتحقيق الأمن الغذائي، يرى المحلل الاقتصادي سامر مصطفى أن استعادة القطاع الزراعي تحتاج إلى ما هو أبعد من التصريحات، عبر سياسات تمويل حقيقية، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مقبولة، وتوسيع الاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة.

بدوره، يشير الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز إلى أن سوريا تمتلك مقومات زراعية كبيرة، لكن استمرار ضعف الاستثمارات وتراجع الخدمات الأساسية حدّا من قدرة القطاع على استعادة دوره، مؤكداً أن الزراعة المستدامة لم تعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.

الصناعة… الحلقة الأضعف

لا تبدو الصناعة السورية في وضع أفضل. فالمعامل التي نجت من سنوات الحرب تواجه اليوم تحديات لا تقل قسوة، تبدأ بارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، ولا تنتهي عند ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

ورغم إعلان وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن الحكومة تعمل على إزالة العقبات أمام المستثمرين، إلا أن بيئة الأعمال ما تزال تعاني من بطء الإجراءات، وضعف البنية التحتية، وغياب الاستقرار التشريعي، وهي عوامل تجعل جذب الاستثمارات أكثر صعوبة.

ويرى مصطفى أن الصناعة تمثل الجسر الذي يحول الإنتاج الزراعي إلى قيمة اقتصادية حقيقية، إلا أن استمرار ضعف هذا القطاع يعني خسارة فرص عمل، وزيادة الاعتماد على المستوردات، وتراجع القدرة التنافسية للمنتجات السورية.

أما قزاز فيؤكد أن الصناعات الغذائية تحديداً قادرة على تحقيق قيمة مضافة كبيرة، لكنها تحتاج إلى سياسات حكومية أكثر جدية، تتجاوز تنظيم المعارض إلى معالجة مشكلات الكهرباء والتمويل والنقل والضرائب.

الأمن الغذائي… أزمة تتجاوز الإنتاج

لا يرتبط الأمن الغذائي بحجم الإنتاج فقط، بل بقدرة المواطنين على الوصول إلى غذاء آمن ومستقر. وهنا تكمن المفارقة؛ فحتى مع أي زيادة محتملة في الإنتاج، يبقى التضخم وارتفاع الأسعار عاملين يهددان الأمن الغذائي لملايين السوريين.

وأكد ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) في سوريا، بيرو توماسو بيري، أن صمود المزارعين حافظ على استمرار الإنتاج رغم الظروف الصعبة، داعياً إلى الاستثمار في النظم الزراعية والغذائية المستدامة.

كما شددت ممثلة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في سوريا، ميريتشيل ريلانيو أرانا، على أن بناء نظام غذائي متكامل يعني تحسين صحة الأطفال وضمان مستقبل أكثر استقراراً، وليس مجرد زيادة أرقام الإنتاج.

مؤتمرات لا تكفي

يمثل المعرض الدولي منصة مهمة لعرض التقنيات وبناء الشراكات، لكنه، وفق مراقبين، لن يغيّر واقع الاقتصاد السوري ما لم يترافق مع إصلاحات عميقة تعالج جذور الأزمة.

فالحكومة السورية الانتقالية ما تزال تراهن على المؤتمرات والاستثمارات المعلنة، بينما تبقى التحديات اليومية للمزارعين والصناعيين دون حلول حاسمة. كما أن غياب سياسات تنفيذية واضحة، واستمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التمويل، وتراجع الخدمات، يجعل الحديث عن تعافٍ اقتصادي شامـل أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع.

وفي بلد تتشابك فيه أزمات الزراعة والصناعة والغذاء، لا يمكن لأي معرض، مهما اتسعت المشاركة فيه، أن يعيد دورة الإنتاج إلى سابق عهدها ما لم تتوافر إرادة حكومية لإطلاق إصلاح اقتصادي حقيقي، يعيد بناء الثقة بالاقتصاد، ويحوّل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ، قبل أن تتحول القطاعات الإنتاجية إلى عبء جديد يضاف إلى قائمة الأزمات السورية المتراكمة.

 

اقرأ أيضاً: دمشق تستضيف معرضاً دولياً للزراعة والغذاء والصناعة بمشاركة 14 دولة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.