سوق الذهب السوري تحت المجهر.. كيف أثرت سنوات الفوضى على العيار والدمغة؟
لم يعد الذهب في سوريا خلال السنوات الماضية مجرد وسيلة للادخار أو سلعة مرتبطة بتقلبات سعر الصرف، بل تحول إلى قطاع يعكس طبيعة التحولات الاقتصادية والإدارية التي مرت بها البلاد، حيث أصبحت مسألة العيار والدمغة والرقابة من أبرز القضايا التي تحدد مستوى الثقة بين الصائغ والمستهلك.
ففي سوق يعتمد بشكل أساسي على الدقة والسمعة، لا يمثل العيار مجرد رقم فني، بل يشكل الأساس الذي تُبنى عليه قيمة القطعة الذهبية وسلامة التعاملات التجارية. وأي اختلاف بين العيار المعلن والعيار الفعلي ينعكس مباشرة على المستهلك، الذي غالباً ما يعتمد على الدمغة الرسمية وثقة التاجر دون امتلاك وسائل تقنية تمكنه من التأكد بنفسه.
وخلال سنوات الحرب وما رافقها من تراجع في قدرة المؤسسات الرقابية وانتشار أنماط اقتصادية غير رسمية، ظهرت شكاوى وحالات متفرقة تتعلق بالتلاعب ببعض المشغولات الذهبية، سواء من خلال خفض نسبة الذهب الفعلية أو إدخال مواد أخرى إلى القطع بهدف زيادة الوزن أو تغيير قيمتها الحقيقية.
ويُعد قطاع الذهب في دمشق وريفها من أكبر القطاعات الحرفية المنظمة نسبياً في سوريا، إذ تشير تقديرات إلى وجود نحو 2000 إلى 2500 صائغ مسجلين ضمن جمعية الصاغة في دمشق، إضافة إلى مئات الورش الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في العاصمة وريفها. كما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع، بمن فيهم العمال غير المسجلين، قد يتجاوز عشرة آلاف شخص بسبب طبيعة المهنة واعتمادها على الورش العائلية.
وتشير بيانات متداولة في القطاع إلى أن احتياطي الذهب في سوريا يقدر بنحو 25.8 إلى 26 طناً، فيما يتراوح حجم التداول اليومي في أسواق دمشق خلال فترات النشاط بين 10 و20 كيلوغراماً. كما تشكل الليرات والأونصات الذهبية نسبة مهمة من حركة الاستثمار في السوق، نظراً إلى سهولة تداولها مقارنة بالمشغولات التقليدية.
لكن اتساع قاعدة العاملين في القطاع وتعدد مراحل انتقال الذهب بين الورش والتجار جعلا الرقابة أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل ظروف الحرب وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على المتابعة.
بين ضغط السوق وتغير قواعد العمل
يرى الصائغ محمد كمال سرور أن العمل في قطاع الذهب خلال السنوات الماضية لم يكن مستقراً كما يبدو، مشيراً إلى أن العاملين في المهنة واجهوا ظروفاً اقتصادية وإدارية صعبة أثرت على طريقة إدارة الورش والمحلات.
ويقول إن تغير الظروف الاقتصادية وتقلبات الأسعار والإجراءات الرقابية المتفاوتة دفعت كثيراً من العاملين إلى التعامل بحذر، والتركيز على تقليل المخاطر بدلاً من التوسع في الإنتاج.
ويضيف أن الورش الصغيرة كانت الأكثر تأثراً، إذ وجدت نفسها أمام ارتفاع تكاليف المواد الأولية والنقل والتشغيل، في وقت أصبحت فيه القدرة على التخطيط والعمل طويل الأمد أكثر صعوبة.
العيار.. المشكلة الأكثر حساسية
يبقى العيار العامل الأكثر أهمية في سوق الذهب، لأنه يحدد القيمة الحقيقية للمشغولات.
ويقول تاجر الذهب سمير أكرم كتم إن الفترة التي أعقبت عام 2011 شهدت ظهور بعض الممارسات المتعلقة بالتلاعب بعيارات بعض القطع الذهبية، موضحاً أن السوق شهد حالات جرى فيها تداول مشغولات بعيارات أقل من العيار المتعارف عليه.
ويشير إلى أن بعض الحالات طالت أيضاً الليرات والأونصات الذهبية، سواء عبر إعادة تصنيعها أو تداول قطع غير مطابقة للمواصفات، ما أدى إلى خسائر بالنسبة لبعض المستهلكين.
كما يتحدث عن ممارسات أخرى تمثلت بإضافة مواد معدنية داخل بعض المشغولات بهدف زيادة الوزن الظاهري، الأمر الذي يؤدي إلى رفع سعر القطعة من دون أن يقابله ارتفاع حقيقي في كمية الذهب الموجودة فيها.
ويؤكد أن هذه الحالات لم تكن بالضرورة ظاهرة عامة في السوق، لكنها أثرت على مستوى الثقة، خصوصاً أن المستهلك لا يستطيع عادة اكتشاف الخلل إلا بعد إعادة الفحص أو الصهر.
أساليب متعددة للتلاعب
اعتمدت بعض حالات الغش التي ظهرت في سوق الذهب خلال سنوات الحرب على عدة أساليب، من بينها خلط الذهب بمعادن أقل قيمة مثل النحاس والنيكل، ما يؤدي إلى خفض نسبة الذهب داخل القطعة مع الحفاظ على شكلها الخارجي.
كما ظهرت حالات تضمنت إدخال مواد داخلية أو فراغات معدنية لزيادة الوزن، إضافة إلى تداول قطع ذهبية غير مطابقة للمواصفات بعد إعادة ختمها أو تغيير بياناتها.
وساهم تعدد حلقات التداول بين الورش والتجار والمناطق المختلفة في صعوبة تتبع مصدر بعض القطع، خصوصاً مع غياب نظام واضح لتوثيق مراحل انتقال المشغولات من التصنيع إلى البيع.
التهريب وتعدد مناطق النفوذ
لم يقتصر تأثير الحرب على الجانب الرقابي فقط، بل امتد إلى حركة التجارة نفسها.
ويشير فيصل الأشقر، وهو تاجر عمل بين دمشق ودول الجوار، إلى أن التهريب خلال سنوات الحرب ساهم في تغيير مسارات تجارة الذهب، سواء عبر إدخال مواد أولية أو مشغولات بطرق غير نظامية.
ويضيف أن اختلاف ظروف العمل بين مناطق السيطرة المختلفة أدى إلى ظهور أسواق متعددة المسارات، ما جعل تتبع مصدر بعض القطع أكثر صعوبة.
وفي شمال شرقي سوريا، يوضح الصائغ آرام صبح أن تعدد مناطق النفوذ خلال سنوات الحرب أدى إلى تعقيد حركة الذهب، إذ كانت بعض القطع تنتقل بين مناطق مختلفة قبل وصولها إلى المستهلك.
ويشير إلى أن بعض الحالات كشفت وجود مشغولات بيعت على أنها من عيار 21 قيراطاً، قبل أن يظهر بعد الفحص وجود عمليات لحام أو إضافات معدنية خفضت نسبة الذهب الحقيقية.
اتهامات بضعف الرقابة
من جانب آخر، تحدث رئيس جمعية الصاغة في دمشق محمود النمر عن أن الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024 كانت من أصعب المراحل التي مر بها القطاع، مشيراً إلى تراجع الالتزام بالمواصفات ووجود مشكلات في منظومة الرقابة.
وقال إن ضعف الرقابة وانتشار الفساد خلال تلك المرحلة سمحا بظهور مخالفات أثرت على سمعة الذهب السوري وثقة المستهلكين.
وأضاف أن بعض الجهات الرقابية تحولت، بحسب قوله، من جهات متابعة إلى جهات تمارس ضغوطاً على أصحاب الورش والمحلات، ما أوجد بيئة غير مستقرة أضرت بالعاملين الملتزمين.
محاولات لإعادة تنظيم القطاع
في المقابل، تقول جمعية الصاغة والجهات الرسمية المعنية إن المرحلة الحالية تشهد إعادة تنظيم لسوق الذهب بهدف رفع مستوى الرقابة واستعادة الثقة.
ويشير مدير عام الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا مصعب الأسود إلى أن الهيئة نفذت حملات رقابية لضبط السوق والتأكد من مطابقة المشغولات للمواصفات.
وأوضح أن معظم الذهب المتداول حالياً مطابق للمعايير، وأن جزءاً كبيراً من الحالات المخالفة يعود إلى مشغولات قديمة دخلت السوق خلال السنوات السابقة.
وأضاف أن الهيئة عملت على تحديث آليات الفحص والمعايرة، وتطوير الرقابة على الورش والأسواق، إلى جانب اتخاذ إجراءات بحق المخالفين بحسب طبيعة المخالفة.
وأكد أن التلاعب بعيارات الذهب يمثل مخالفة أساسية، وأن الإجراءات قد تشمل إتلاف القطع غير المطابقة أو ملاحقة الجهات المسؤولة عن تصنيع أو تداول المشغولات المخالفة.
الفاتورة والدمغة.. حماية للمستهلك
يشدد المسؤولون عن القطاع على أهمية حصول المستهلك على فاتورة نظامية تتضمن الوزن والعيار والتاريخ والختم الرسمي، باعتبارها الوثيقة الأساسية التي تحفظ حقوقه في حال اكتشاف أي خلل.
ويقولون إن وجود فاتورة رسمية يجعل المسؤولية تقع على البائع والجهة المنتجة، بينما تبقى الحالات التي لا يملك فيها المستهلك إثباتاً لمصدر القطعة أكثر تعقيداً.
هل يستعيد الذهب السوري ثقته؟
يؤكد جميل مطانيوس، المسؤول عن تعيير الذهب في جمعية الصاغة، أن عمليات الفحص تعتمد على أخذ عينات عشوائية من المشغولات وإخضاعها للتحليل داخل المختبرات المختصة.
وأوضح أن الفحص يتم عبر أجهزة تحليل دقيقة تقيس نسبة الذهب داخل القطعة، وتشمل المشغولات الجديدة والمخزنة لدى الورش، بهدف التأكد من مطابقتها للعيارات المعلنة.
وأشار إلى أن نسبة كبيرة من المشغولات المتداولة حالياً باتت مطابقة للمواصفات، معتبراً أن مستوى الالتزام تحسن مقارنة بالسنوات السابقة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام سوق الذهب السوري مرتبطاً بإعادة بناء الثقة، إذ لا تكفي إجراءات الرقابة وحدها ما لم يشعر المستهلك بأن العيار المعلن يعكس القيمة الحقيقية للقطعة، وأن السوق يعمل ضمن قواعد واضحة تحمي الصائغ والمشتري على حد سواء.
فالذهب في النهاية لا يُقاس فقط بوزنه أو سعره، بل بمدى الثقة التي تحيط به، وهي الثقة التي تعرضت لاختبار طويل خلال سنوات الحرب، وتسعى المؤسسات والعاملون في القطاع اليوم إلى استعادتها تدريجياً.
اقرأ أيضاً:ارتفاع جديد لأسعار الذهب في سوريا..إليكم النشرة الرسمية