قطاع الدواجن في سوريا بين فوضى الإنتاج وتقلبات الاستيراد
يواجه قطاع الدواجن في سوريا تحديات متزايدة تؤثر في استقراره، في ظل استمرار التربية غير المنظمة، وغياب قاعدة بيانات دقيقة عن حجم الإنتاج، إلى جانب قرارات الاستيراد التي تتغير تبعًا لتقديرات يصفها عاملون في القطاع بأنها غير دقيقة. ويرى مربون وخبراء أن هذه العوامل تنعكس بشكل مباشر على حركة السوق، سواء من خلال خسائر المنتجين أو تقلب أسعار الفروج وبيض المائدة بالنسبة للمستهلكين.
ويؤكد العاملون في القطاع أن تنظيم الإنتاج، وتطوير آليات الإحصاء، ووضع سياسات واضحة للاستيراد والتسويق، أصبحت من أبرز الأولويات لضمان استقرار أحد أهم القطاعات الغذائية في البلاد.
تربية غير منظمة تربك السوق
يعد انتشار المداجن غير المرخصة أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الدواجن، إذ تعمل أعداد كبيرة من المربين خارج الأطر الرسمية، ما يصعب على الجهات المعنية تحديد حجم الإنتاج الفعلي أو احتياجات السوق بدقة.
وقال مدير إحدى شركات الدواجن، محمد سماقية، إن أعداد المربين غير المرخصين “كبيرة جدًا”، وهو ما ينعكس على دقة الإحصاءات الخاصة بالإنتاج، ويؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار، سواء نتيجة فائض مفاجئ في المعروض أو انخفاض الكميات المطروحة في الأسواق.
وأضاف أن قطاع الدواجن لا يواجه مشكلة واحدة فقط، بل مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار التربية العشوائية، إلى جانب قرارات فتح باب الاستيراد في بعض الفترات، وهو ما يجعل المربين غير قادرين على التخطيط للإنتاج بصورة مستقرة.
وأوضح أن غياب البيانات الدقيقة يؤدي أحيانًا إلى طرح كميات كبيرة من الفروج في الأسواق خلال فترة قصيرة، فتتراجع الأسعار ويتكبد المربون خسائر، بينما يؤدي انخفاض الإنتاج في فترات أخرى إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك.
اختلاف بين الشركات والمداجن الصغيرة
من جانبه، أوضح مربي الدواجن مازن مارديني أن الفارق بين الشركات الكبرى والمداجن الصغيرة لا يقتصر على حجم الإنتاج، وإنما يشمل أيضًا آليات التسويق، التي لا تزال تعاني من ضعف التنظيم.
وأشار إلى أن قطاع الدواجن يعتمد على أربعة أنماط رئيسية للإنتاج، تشمل الجدات، والأمات، والفروج، والدجاج البياض، وجميعها تتأثر بمعادلة العرض والطلب، وأي خلل في التنظيم أو التسويق ينعكس مباشرة على السوق.
وأضاف أن الاستثمار غير المنظم في القطاع، إلى جانب أساليب التربية التقليدية وارتفاع تكاليف الإنتاج، أسهم في زيادة حالة العشوائية، لافتًا إلى أن اتساع قاعدة العاملين في القطاع، من شركات كبيرة ومداجن صغيرة، يجعل عملية تنظيمه أكثر تعقيدًا في ظل غياب قاعدة بيانات شاملة.
المؤسسة العامة: تحديث الإنتاج ضرورة
بدوره، أقر مدير عام المؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، بوجود مشكلة مرتبطة بالتربية الفردية والعشوائية، معتبرًا أنها تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس على أسعار المنتج النهائي، ويؤثر في أرباح المربين.
وأوضح أن الحكومة اتخذت إجراءات لتشجيع المربين على تحديث وسائل الإنتاج، من خلال إعفاء مستلزمات الإنتاج من الرسوم الجمركية، بما يساعد على الانتقال من أنماط التربية الفردية إلى مشاريع إنتاجية أكبر وأكثر تنظيمًا.
وأضاف أن هذا التحول يسهم في تقليل مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، وتحسين جودة المنتج، وخفض تكاليف الإنتاج، بما يعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الخارجية.
دعوات لتنظيم السوق
ويرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن سوق الدواجن شهد تغيرًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، مع دخول شركات إنتاج كبيرة تمتلك إمكانات مالية واسعة، إلى جانب استمرار عمل المداجن الصغيرة، التي أصبحت الطرف الأضعف في المنافسة.
وأشار إلى أن الشركات الكبرى أصبحت تمتلك تأثيرًا أكبر في حركة السوق، وهو ما يستدعي دورًا حكوميًا أكثر فاعلية لتنظيم القطاع.
واقترح حبزة عقد اجتماعات دورية في وزارة الزراعة تضم ممثلي الشركات الكبرى وأصحاب المداجن الصغيرة، بهدف تنسيق عمليات الإنتاج والتسويق، والحد من التقلبات الكبيرة في الأسعار.
وأضاف أن ضعف الرقابة الحكومية أدى إلى استمرار حالة العشوائية، مؤكدًا أن تنظيم طرح الإنتاج في الأسواق قد يكون أحد الحلول، بحيث لا تُطرح جميع الكميات في توقيت واحد، وإنما توزع على مدار الشهر لتفادي حالات الفائض أو النقص المفاجئ.
كما دعا إلى تشجيع أصحاب المداجن الصغيرة على العمل ضمن تجمعات إنتاجية أو إدارات موحدة، بما يمنحهم قدرة أكبر على المنافسة أمام الشركات الكبرى، ويحد من الخسائر التي قد يتعرضون لها عند حدوث اضطرابات في السوق.
قرارات الاستيراد تزيد الضغوط
إلى جانب مشكلات الإنتاج، يواجه مربو الدواجن تحديًا آخر يتمثل في قرارات استيراد الفروج، التي يرى العاملون في القطاع أنها تصدر أحيانًا في توقيت لا يتناسب مع حجم الإنتاج المحلي.
وكانت السلطات أوقفت استيراد الفروج قبل نحو شهر، إلا أن المربين يؤكدون أن قرارات الاستيراد والتصدير يجب أن تستند إلى بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج الفعلي واحتياجات السوق.
ويرى مختصون أن غياب الإحصاءات الدقيقة قد يؤدي إلى فتح باب الاستيراد في وقت يكون فيه الإنتاج المحلي كافيًا، ما يتسبب بانخفاض الأسعار وإلحاق خسائر بالمربين، أو العكس، عندما يجري تقدير الإنتاج بأكثر من حجمه الحقيقي، فتقل الكميات في الأسواق وترتفع الأسعار على المستهلك.
تطبيق “سراج” لجمع البيانات
وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، أعلن مدير عام المؤسسة العامة للدواجن أن تطبيقًا إلكترونيًا يحمل اسم “سراج” جرى تطويره ليكون وسيلة لجمع البيانات الخاصة بالإنتاج، وسيصبح استخدامه إلزاميًا لجميع المربين.
وأوضح أن التطبيق يهدف إلى توفير معلومات دقيقة تساعد صناع القرار في تحديد احتياجات السوق، واتخاذ قرارات أكثر دقة فيما يتعلق بالاستيراد أو التصدير.
وأشار إلى أن حاجة السوق السورية من الفروج تتراوح بين 400 و500 طن يوميًا، مؤكدًا أن الإنتاج المحلي قادر على تلبية هذا الطلب إذا جرى تنظيم عمليات الإنتاج والتسويق بالشكل المناسب.
تحفظات على الحلول التقنية
في المقابل، يرى المربي مازن مارديني أن تطبيق “سراج” يمثل خطوة مهنية، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة مشكلات القطاع، موضحًا أن شريحة واسعة من المربين لا تمتلك الخبرة التقنية اللازمة لاستخدام التطبيقات الإلكترونية.
وأضاف أن كثيرًا من العاملين في هذا المجال يعتمدون على الخبرة التقليدية في إدارة مداجنهم، خاصة بعد سنوات الحرب التي أثرت في البنية الاقتصادية والتعليمية، ما يجعل تطوير قدرات المربين ودعمهم أكثر أهمية من الاعتماد على الحلول التقنية وحدها.
وأكد أن قطاع الدواجن يتمتع بأهمية اقتصادية كبيرة، نظرًا لحجم الاستثمارات ودورة رأس المال فيه، ما يجعل تنظيمه ودعمه ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
بيض المائدة أكثر استقرارًا
وفيما يتعلق ببيض المائدة، أوضح حاج هاشم أن البيانات الخاصة بهذا القطاع تبدو أكثر وضوحًا، إذ ارتفع الإنتاج خلال عام واحد من نحو 10 ملايين إلى 20 مليون بيضة.
وأضاف أن بيض المائدة يشهد استقرارًا أكبر مقارنة بسوق الفروج، مع توفره في الأسواق المحلية بأسعار مناسبة، إلى جانب تصدير كميات منه إلى دول الخليج، ولا سيما قطر.
وفي السياق ذاته، أعلن المستشار الفني في اتحاد الغرف الزراعية السورية، عبد الرحمن قرنفلة، أن سوريا صدرت مليونًا و80 ألف بيضة إلى العراق خلال الأسبوع الأول من شهر تموز الجاري، في مؤشر على قدرة القطاع على تحقيق فائض للتصدير عندما تتوفر آليات تنظيم وإحصاء أكثر دقة.
الحاجة إلى إصلاح شامل
ويرى عاملون في قطاع الدواجن أن استقرار السوق لا يمكن أن يتحقق من خلال معالجة جانب واحد فقط، بل يتطلب بناء قاعدة بيانات دقيقة تشمل جميع المربين، وتنظيم عمليات الإنتاج والتسويق، ووضع سياسات واضحة للاستيراد والتصدير، إلى جانب توفير الدعم اللازم للمشاريع الصغيرة.
ويؤكد هؤلاء أن تحقيق التوازن بين حماية المنتج المحلي وتلبية احتياجات المستهلك يعتمد على وجود معلومات دقيقة وقرارات مبنية على معطيات واقعية، بما يحد من التقلبات التي يشهدها السوق ويحافظ على استدامة قطاع يعد من أهم القطاعات الغذائية والإنتاجية في سوريا.