زراعة الغوطة الشرقية تستنزفها المياه والكلفة.. المزارع يخسر قبل أن يصل محصوله إلى السوق
لم تعد أزمة الزراعة في الغوطة الشرقية مرتبطة بموسم ضعيف أو محصول خسر جزءاً من إنتاجه، بل باتت المشكلة تمتد من مصدر المياه إلى السوق. آبار تنخفض مناسيبها، شبكات ري تحتاج إلى التأهيل، مستلزمات إنتاج ترتفع أسعارها، ومحاصيل يصل بعضها إلى الأسواق بعد أن تكون تكاليف زراعته ونقله وتسويقه قد التهمت معظم عائده.
وتكشف أزمة المياه حجم الاختلال المتراكم في إدارة المورد الأكثر حساسية للغوطة. فمديرية الموارد المائية تقدر عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق بنحو 50 ألف بئر مقابل نحو 14,500 بئر مرخصة، وتضع الغوطة الشرقية ضمن المناطق الأكثر تعرضاً لضغط الحفر العشوائي واستنزاف المياه الجوفية.
المياه تتراجع.. والزراعة تدفع الثمن
يقول المزارع أحمد بدوي إن مساحات زراعية تقلصت بفعل الجفاف وشح المياه والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، فيما لم تعد الآبار وشبكات الري قادرة على تأمين احتياجات المحاصيل في فترات الري الحرجة.
ولا يتوقف الأمر عند انخفاض الكميات. فبدوي يتحدث عن تراجع إنتاجية بعض الزراعات إلى أقل من نصف مستوياتها السابقة، وتضرر حجم الثمار وجودتها، فيما يضطر المزارعون إلى شراء المياه بالصهاريج أو تشغيل المضخات بمصادر طاقة مرتفعة الكلفة.
الأخطر أن نقص المياه دفع بعض المزارعين، وفق إفادته، إلى استخدام مياه صرف صحي غير معالجة في الري، في ممارسة تكشف إلى أي حد يمكن أن يدفع العطش الزراعي نحو مخاطر تتجاوز خسارة المحصول إلى سلامة الغذاء والتربة.
وتؤكد الجهات الرسمية أن تراجع الموارد المائية مرتبط بتكرار سنوات الجفاف والحفر العشوائي والسحب الجائر، فيما أظهرت خطط رسمية حديثة أن انخفاض الموارد المائية أصبح عاملاً مباشراً في تقليص المساحات الزراعية المخططة.
كلفة الإنتاج تسبق المحصول
حتى عندما تتوفر المياه، يدخل المزارع موسمه محملاً بكلفة لا تتوقف عن الارتفاع. المحروقات والأسمدة والأدوية والبذار والعمال والنقل كلها تتراكم قبل أن تبدأ عملية البيع.
ويتحدث المزارعون عن ارتفاعات كبيرة في أسعار مستلزمات الإنتاج، وعن مواد زراعية يشككون في جودتها، ما يعني أن المزارع قد يدفع أكثر للحصول على مدخلات لا تضمن له بالضرورة إنتاجاً أفضل.
ويضع مدير زراعة دمشق وريفها غلاء المحروقات ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب نقص العمالة وتضرر شبكات الري والجفاف وصعوبات التسويق، ضمن أبرز المشكلات التي تواجه القطاع. كما أقرت الجهات الزراعية نفسها بأن استنزاف المياه وانخفاض مناسيب الآبار ساهما في خروج مساحات واسعة من الخطة الزراعية.
لكن المشكلة الأكثر قسوة تظهر عندما يصل المحصول إلى السوق.
المزارع يخسر قبل البيع
يقدم المزارع عمر حسابا مثالاً على البندورة. فالكيلو الذي يباع بنحو 1500 ليرة في سوق الهال، وفق حساباته، تقتطع منه تكاليف العبوات والعمولة والنقل والعمال نحو 1250 ليرة، قبل احتساب تكلفة إنتاجه التي يقدرها بنحو ألف ليرة.
وبهذه المعادلة، لا يعود ارتفاع سعر المحصول مؤشراً على تحسن دخل المزارع. فالسعر الذي يدفعه المستهلك لا يصل إلى المنتج إلا بعد أن يمر عبر سلسلة طويلة من النفقات والوسطاء، بينما يبقى المزارع الطرف الأكثر تعرضاً للخسارة والأقل قدرة على التحكم بالسعر.
وهنا تظهر فجوة واضحة في السياسة الزراعية: لا يكفي تأمين البذار أو مكافحة الآفة إذا كان المنتج سيصل إلى السوق من دون قناة تسويقية تحمي عائده.
تأهيل متأخر أمام استنزاف متقدم
تحاول الجهات الرسمية إعادة تشغيل أجزاء من منظومة الري وصيانة القنوات ومحطات الضخ، فيما أُعيد تأهيل سبع آبار في الغوطة خلال أيار 2026 ضمن مشروع شمل 11 بئراً، كما تتواصل أعمال تأهيل مجاري الريحان وإزالة الردميات منها.
لكن حجم المشكلة يتجاوز هذه المعالجات الجزئية. فحين يصل عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق إلى عشرات الآلاف، وحين تصبح ندرة المياه سبباً في تغيير التركيب المحصولي وخروج أراضٍ من الاستثمار، فإن إصلاح بئر أو قناة لا يعالج أصل الخلل.
وتطرح الخبرات الزراعية حلولاً أكثر جذرية، من تنظيم الآبار وتركيب العدادات إلى التوسع في الري الحديث وإعادة استخدام المياه المعالجة، وهي مسارات بدأت الجهات الرسمية العمل على بعضها فعلاً، ومنها مشروع استخدام المياه المعالجة في ري أراضي الغوطة الشرقية.
لكن التأخر في بناء منظومة متكاملة جعل المزارع يتحمل اليوم كلفة أزمة لم يصنعها وحده: مياه أقل، إنتاج أغلى، وسوق لا يضمن له استرداد ما أنفقه.
وفي الغوطة الشرقية، لا تبدو المشكلة أن الأرض فقدت قدرتها على الإنتاج بقدر ما أصبحت عملية إبقائها منتجة أكثر كلفة ومخاطرة. ومع استمرار استنزاف المياه وارتفاع مستلزمات الزراعة وضعف التسويق، تتحول الزراعة تدريجياً من مصدر دخل إلى معادلة يخشى المزارع الدخول فيها قبل أن يزرع أول شتلة.
اقرأ أيضاً: زراعة العنب في سوريا تتراجع.. كلفة مرتفعة وتسويق يبدد عائد المزارعين