أجور النساء في سوريا.. فجوة متسعة بين جهد مضاعف ومعيشة لا تطاق

تتخبط العاملات السوريات في معادلة بالغة القسوة؛ فساعات العمل الطويلة، وتهاوي القدرة الشرائية، وشح فرص العمل تضعهن وجهاً لجهد لا يقابله أجر عادل، بينما تتكفل هشاشة سوق العمل غير المنظم وغياب الحماية الوظيفية بتحويل أبسط المطالب المالية إلى رحلة محفوفة بالتعقيد والمخاطر.

ولا تقتصر الأزمة على شح الدخل فحسب، بل تمتد لتشمل انعدام الضمانات المهنية، وهاجس خسارة لقمة العيش، ومحدودية أفق التطور الوظيفي، في مشهد ضاغط يلقي بظلاله الثقيلة على العاملات وعائلاتهن.

جهد شاق ودخل يعجز عن تلبية الأساسيات

تبدأ ندى سليمان نهارها مبكراً في روضة للأطفال، متنقلة بلا هدوء بين ملاحقة الصغار ورعاية أنشطتهم؛ عمل يستهلك طاقتها الجسدية ويتطلب صبراً وتركيزاً دائمين. بيد أن ما تبذله من وقت وعطاء لا ينعكس بحسب قولها على راتب يوازي حجم مسؤولياتها.

وتوضح ندى لمنصة “963+”: “بحب شغلي والأطفال، بس الحب هاد عم يرهقني. نحنا كمان عنا مصاريف والتزامات، ومن حقنا ناخد أجر يقدّر تعبنا ومسؤولياتنا”.

ورغم عدم رضاها عن الأجر مقارنة بساعات العمل الضخمة، تتمسك ندى بوظيفتها لعدم وجود خيارات بديلة أفضل، مؤكدة أن الشغف بالمحبة المهنية لا يغني عن الحاجة الملحة لدخل يغطي متطلبات الحياة اليومية.

أما في قطاع الخياطة، فتأخذ المعاناة وجهاً آخر بذات النهايات المريرة. تقضي هدى شعلة (47 عاماً) منذ سنوات أعواماً طويلة أمام ماكينة الخياطة لتنفيذ الطلبيات في مواعيدها القياسية، لترتطم بالواقع ذاته حين تجد الأجر هزيلاً لا يرقى لحجم المجهود. تقول هدى: “في أيام بشتغل فيها ساعات طويلة، وبالنهاية المبلغ اللي بطلع فيه ما بيكفي وجبة عشاء بسيطة جيبها لأولادي”.

ولا تتوقف أزمات هدى عند حدود الإرهاق العضلي، بل تمتد لعسر التفاوض على أجور أعلى؛ فنُدرة الشواغر وقبول أخريات بالأجور المتدنية يضعفان فرص تحسين الدخل ويجعلان المطالبة بالزيادة مغامرة غير مأمونة العواقب. وتلفت هدى إلى أن طموحاتها تتخطى مجرد رفع الدخل لتشمل وضوح العقود وصون الحقوق؛ فغياب عقود العمل والتأمينات الاجتماعية يبقي الخوف مستمراً من شبح الطرد أو تأخر المستحقات، لتواجه العاملات الأخطار الاقتصادية والمهنية بمعزل عن أي شبكة أمان.

من جهتها، تشير نور شبيب (27 عاماً)، العاملة في شركة خاصة، إلى تصاعد حجم المهام الملقاة على كاهلها بلا أي تعديل يذكر في أجرها. وتقول: “أحياناً بتتردد تطالب بحقك لأنك بتخاف ينفهم الموضوع بطريقة سلبية أو تتأثر علاقتك بالإدارة”.

وتؤمن نور أن معالجة ملف الأجور تتعدى زيادة الرواتب لتستوجب وضع معايير شفافة لتحديدها وتنظيم الترقيات والزيادات وفق الكفاءة والخبرة والأداء، بعيداً عن محسوبيات “الشللية”.

شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية

تربط الباحثة الاقتصادية سناء بركة، في حديثها لـ”963+”، تراجع أجور النساء بمنظومة متشابكة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية؛ أبرزها تركز النساء في مهن وقطاعات زهيدة الأجر، وضعف تمثيلهن في المناصب الإدارية والقيادية ذات العائد المالي المرتفع، فضلاً عن تفشي العمل غير المنظم الذي يفتقر لأبسط مقومات العقود الرسمية والحماية الاجتماعية.

وتشير بركة إلى أن تداعيات سنوات الحرب والانكماش الاقتصادي أفضت إلى انكماش حاد في فرص العمل وانهيار القدرة الشرائية للأجور، دافعة قطاعاً واسعاً من النساء نحو قبول رواتب مجحفة وشروط عمل قاسية، تحت وطأة تأمين لقمة العيش للأسر.

ولا ينفصل هذا الواقع عن الأعباء الأسرية ورعاية الأطفال والمسنين، وهي التزامات تقلص غالباً من قدرة النساء على إطالة ساعات العمل أو اقتناص فرص أفضل.

كما تحذر بركة من دور الممارسات التمييزية المحتملة في احتساب الرواتب والترقيات في تعميق الفوارق المالية والمهنية.

وتؤكد الباحثة أن قسوة الظروف المعيشية تشل قدرة العاملات على التفاوض بشأن أجورهن، حيث يتحول التشبث بالوظيفة إلى صراع بقاء خشية خسارة مصدر الدخل الوحيد،سيما لغير المشمولات بعقود رسمية أو ضمانات. وبالتالي، لا يعني القبول بالأجر المنخفض رضاً عنه، بل هو خضوع تام لغياب البدائل.

يُذكر أن مشاركة النساء في القوى العاملة بسوريا بلغت 12.7% مقابل 61.4% للرجال خلال عام 2025، وفق بيانات البنك الدولي المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية، وهو رقم يعكس فجوة هائلة في المساهمة الاقتصادية، دون أن يختزل وحده حجم فجوة الأجور بين الجنسين.

وتختم بركة بالتأكيد على أن تشخيص هذه الفجوة يستوجب بيانات حديثة ودقيقة للرواتب مصنفة بحسب الجنس، والمهنة، والقطاع، وساعات العمل، والخبرة، لفصل الفروق الناجمة عن طبيعة العمل عن تلك الناتجة عن التمييز الصريح.

بين النصوص القانونية وجدار العوائق الواقعية

لا تقف المأساة عند حدود ضعف الدخل، بل تمتد لتطال قدرة العاملات على انتزاع حقوقهن. فعندما تشعر العاملة بغياب التناسب بين أجرها ومجهودها، قد تعجز عن الاعتراض أو اللجوء للجهات القضائية، لاسيما بغياب العقود الرسمية أو تحت وطأة الخوف من التسريح.

وفي هذا السياق، ترى المحامية رفاه عبد الله، في تصريح لـ”963+”، أن إنصاف الأجور يستدعي تفعيل مبدأ “الأجر المتساوي لقاء العمل المتساوي في القيمة”، وتشديد الرقابة على المنشآت لاسيما في القطاع الخاص، مع فرض عقوبات صارمة بحق المخالفين.

وتبين عبد الله أن انعدام العقود الرسمية والتأمينات، والقصور في المعرفة القانونية، وهاجس فقدان الوظيفة، هي جدران تحول دون لجوء العاملات إلى الشكاوى القضائية. يضاف إلى ذلك تكاليف وبطء إجراءات التقاضي التي تضاعف العبء في ظل الانهيار المعيشي، ليكون القضاء خياراً بالغ الصعوبة لمن لا يمتلكن دخلاً ثابتاً.

وتشدد عبد الله على ضرورة توثيق عقود العمل، وتبسيط سبل الوصول إلى الجهات المعنية، وتطوير حماية الأمومة وتوسيع مظلتها لتطوي العاملات في القطاعات الهامشية وغير المنظمة كالزراعة والخياطة والمهن اليدوية.

ومن جملة المقترحات، إرساء قنوات آمنة وسرية لتلقي شكاوى التمييز الأجري بلا خوف من الانتقام الوظيفي أو قطع الرزق، إذ إن وجود آليات رصينة وفعالة سيعيد للعاملات القدرة على حماية حقوقهن عوضاً عن الاستسلام لشروط الإذعان.

عدالة الأجور تبدأ من تنظيم السوق

اقتصادياً، ترى سناء بركة أن الارتقاء بأجور النساء يقتضي معالجة الجذور المسببة لتقييد فرصهن، إلى جانب إعادة نظر المؤسسات في معايير منح الرواتب والمكافآت، وتكثيف التفتيش الميداني على المنشآت، وكبح جماح العمل العشوائي.

وتبرز هنا أهمية الاستثمار في برامج التدريب المهني والتقني وربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل الحقيقية، بما يكفل للنساء اكتساب مهارات تؤهلهن لفرص أعلى دخلاً.

كما تدعو إلى تيسير خدمات رعاية الأطفال، وتوسيع حماية الأمومة، ودعم المشاريع النسوية عبر تسهيل حصولها على التمويل والأسواق.

ولا تقف هذه الحلول عند حدود الدخل المباشر، بل تمتد لتوسيع خيارات النساء، وتقويض الحواجز التي تقف أمام ترقيهن إلى وظائف ذات عوائد أو مواقع قيادية أعلى. فتنظيم العمل غير الرسمي وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي من شأنهما تخفيف هشاشة العاملات ومنحهن مساحات أوسع للمطالبة بأجور كريمة وحقوق مصانة.

بين مُعلمة روضة تعود إلى دارها مثقلة بالتعب، وخافقة خياطة لا يكفي مردودها رمق عائلة، وموظفة أثقلتها الخشية من طلب تعديل راتبها لئلا تتوتر علاقتها بالإدارة، تتكشف ملامح أزمة تتعدى أرقام الرواتب لتلامس صميم الأمان الوظيفي، والقدرة على نيل الحقوق، وعدالة التقييم والترقي.

وفي غياب مؤشرات وطنية رسمية وحديثة تقيس حجم فجوة الأجور بين الجنسين بسوريا بدقة، تتأكد الإلحاحية البالغة لقياس هذه الفجوة وتفكيك أسبابها، جنباً إلى جنب مع التطبيق الصارم للقوانين وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وإصلاح هيكلية سوق العمل؛ إذ إن بلوغ أجور عادلة لا يعبر فحسب عن تقدير الجهد النسائي، بل يمثل أساساً لا غنى عنه لخلق بيئة عمل صانة للحقوق ومكافئة بالعدل والفرص المتكافئة.

اقرأ أيضاً:هيومن رايتس ووتش ترفض قيود استبعاد النساء من كليات الدفاع والأمن في سوريا

اقرأ أيضاً:الاتجار بالبشر في سوريا: الأرقام تكشف حجم استغلال النساء والأطفال

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.