نساء يحملن العائلة والبضائع.. “العتالة” مهنة شاقة تكسر قيود العيب وتواجه التمييز
في ساعة باكرة من صباح كل يوم، تخرج “فاطمة” (اسم مستعار) برفقة مجموعة من الشابات والنساء لنقل وتفريغ البضائع الثقيلة (العتالة)
دفعت الحاجة المادية الماسة هؤلاء العاملات للقبول بواحدة من أصعب المهن وأكثرها إنهاكاً للجسد، حيث يقضين ساعات طويلة في الوقوف والتحميل الشاق مقابل أجور زهيدة، وسط ضغوط مجتمعية وأسرية متزايدة.
مخاوف وصدمة مجتمعية: الخوف من الإفصاح عن الهوية
تفرض نظرة المجتمع وضغوط العائلة والأقارب حظراً على كشف الهوية الحقيقية للعاملات؛ إذ رفضت جميع النساء اللواتي التقى بهن موقع “سناك سوري” استخدام أسمائهن الحقيقية.
وتؤكد “فاطمة”، وهي شابة ثلاثينية، أن التفكير في تصنيف المهنة بين الرجال والنساء يتراجع أمام ضغوط المعيشة وتأمين مصدر الرزق الذي يقع في مقدمة أولوياتها.
ورغم اتساع نطاق مشاركة الشابات في مجال العتالة مؤخراً، إلا أنهن يواجهن تمييزاً وسخرية من قدراتهن على حمل الأوزان الثقيلة.
تمييز في الأجور والفرص: “صندوق العتالة لا يسأل من يحمله”
لا تقتصر معاناتهن على المشقة البدنية، بل تتجاوزها إلى التمييز في توزيع العمل والأجور. وتوضح “فاطمة” أن الأجور تُحسب بناءً على حجم التفريغ والتحميل وليس فقط بساعات الدوام.
وغالباً ما تُمنح الشحنات الكبيرة للرجال بحجة أنهم أكثر سرعة، مما يؤدي إلى فارق ملموس في الدخل بنهاية الأسبوع.
من جانبها، تؤكد “ريم” (23 عاماً) أن بداية الدوام محددة بالصباح الباكر بينما ترتبط نهايته بحجم البضائع والطلبات الواردة، مشددة على أن العمل يمثل مشقة حقيقية.
وتشاركها “صافية” (اسم مستعار) الرأي، مشيرة إلى أن أصعب المهام تتجلى في تنزيل البرادات وتفريغ الشاحنات الكبيرة وطرود المواد الغذائية، ما يتطلب حركة ووقوفاً مستمرين، ورغم ذلك تظل المهنة فرصة نادرة للحصول على دخل في ظل صعوبة إيجاد فرص عمل أخرى.
غياب وسائل الحماية ودخل لا يتجاوز 100 دولار
توضح “خلود” (اسم مستعار) أنها لا تخجل من عملها كونه مصدر رزقها الأساسي، رغم أن عائلتها والمجتمع يشعرون بالخجل من الحديث عنه.
وتضيف أن النساء يعملن من الصباح حتى المساء في تفريغ عدة شاحنات يومياً تشمل طرود المياه والمواد الغذائية والصناديق وغيرها، وهي مهنة يتهرب منها الكثير من الرجال.
وتشير “خلود” إلى أن دخل العاملة يبلغ نحو 3 آلاف ليرة جديدة أسبوعياً، وهو مبلغ غير ثابت يتغير بتغير حجم البضائع.
وباحتساب متوسط الدخل الشهري الذي يصل إلى نحو 12 ألف ليرة (والذي لا يصل إلى 100 دولار شهرياً)، يتضح حجم الفجوة بين المجهود البدني والتعويض المادي.
وتتحمل العاملات أوزاناً تصل إلى 25 كيلوغراماً على أكتافهن في ظل غياب تام لأدوات ووسائل الحماية الشخصية، ومع تزايد احتمالات الإصابات الجسدية.
يبقى الإصرار هو الخيار الوحيد هؤلاء النساء اللواتي يواجهن غلاء المعيشة وقسوة العمل وشح الفرص، في وقت يستمر فيه المجتمع بالضغط عليهن دون تقديم يد العون لتلبية احتياجاتهن وأسرهن.
اقرأ أيضاً:عجلة القيادة في إدلب.. كيف كسرت النساء القيود الاجتماعية ونشأت واقعاً جديداً؟
اقرأ أيضاً:الاتجار بالبشر في سوريا: الأرقام تكشف حجم استغلال النساء والأطفال