التحرش والابتزاز الإلكتروني في سوريا.. الخوف من الوصمة يعرقل طلب الحماية
تتجاوز المضايقات التي تتعرض لها النساء والفتيات السوريات عبر الإنترنت الرسائل غير المرغوبة أو التعليقات ذات الإيحاءات الجنسية، لتصل في بعض الحالات إلى التهديد بنشر صور ومعلومات شخصية، أو ابتزاز الضحايا مالياً أو الضغط عليهن للاستجابة لمطالب لا يرغبن بها.
ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على الفضاء الرقمي، بل قد تمتد إلى الحياة اليومية، فتؤثر في شعور النساء بالأمان وثقتهن بأنفسهن وبالآخرين، وتدفع بعضهن إلى العزلة أو التردد في طلب المساعدة، خشية التعرض للوم أو التشهير داخل محيطهن الاجتماعي.
وفي ظل هذه المخاوف، تبرز أهمية معرفة سبل التعامل مع التحرش والابتزاز الإلكتروني، وآليات حفظ الأدلة الرقمية وطلب المشورة القانونية والنفسية، بعيداً عن تحميل الضحايا مسؤولية ما تعرضن له.
من المضايقات إلى التهديد والابتزاز
تعرّف المحامية منار موّنس التحرش الإلكتروني بأنه سلوك عبر الإنترنت يسبب الإزعاج أو الإساءة للشخص المستهدف، الذي لا يرغب في التواصل مع الطرف الآخر. وتوضح، في حديثها إلى «عنب بلدي»، أن هذه الممارسات لا تقتصر على الرسائل ذات الإيحاءات الجنسية، بل قد تشمل أشكالاً أخرى من التواصل المسيء أو المزعج، بحسب طبيعة الفعل وسياقه.
وتشير موّنس إلى أن قانون العقوبات السوري وقانون مكافحة الجريمة المعلوماتية لا يتضمنان تعريفاً مستقلاً وواضحاً للتحرش الإلكتروني بهذا المسمى، لكنها توضح أن ذلك لا يعني بالضرورة خروج الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت من نطاق المساءلة القانونية، إذ يعتمد التكييف القانوني على طبيعة الفعل والوقائع والأدلة المتاحة.
ولا يشترط أن تبدأ المضايقات أو ممارسات الابتزاز بعلاقة قائمة على الإكراه، إذ قد تحدث أيضاً ضمن علاقات شخصية سابقة قامت على الثقة والرضا، قبل أن تتحول إلى وسيلة للضغط أو التهديد.
وتؤكد المحامية أن مشاركة المرأة صوراً أو معلومات خاصة بموافقتها لا تمنح الطرف الآخر الحق في استخدامها لاحقاً لتهديدها أو ابتزازها.
وقد تكون المرأة شاركت هذه المعلومات في إطار علاقة شعرت خلالها بالأمان، سواء مع صديق أو خطيب أو زوج أو شريك عاطفي أو أحد أفراد العائلة، لكن طبيعة العلاقة السابقة لا تبرر استغلال خصوصيتها أو استخدام معلوماتها الشخصية ضد إرادتها.
كيف تتعامل المرأة مع التهديد أو الابتزاز؟
تنصح المحامية موّنس بعدم الاستجابة لمطالب المبتز، سواء تعلقت بدفع المال أو إرسال صور إضافية أو القيام بأفعال لا ترغب بها الضحية. وتشدد على أهمية الاحتفاظ بالأدلة الرقمية قبل حظر الحساب أو اتخاذ خطوات أخرى قد تؤثر في إمكانية توثيق الواقعة.
وتشمل الأدلة لقطات شاشة للمحادثات، مع إظهار اسم الحساب أو رقم الهاتف بوضوح، والحفاظ على تسلسل الرسائل وعدم اقتطاعها من سياقها، إضافة إلى حفظ روابط الحسابات أو الصفحات التي جرت عبرها المضايقات أو التهديدات.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة عندما تكون هوية الشخص مجهولة، إذ يمكن الاستفادة من الأدلة المحفوظة عند طلب المشورة القانونية أو تقديم شكوى إلى الجهات المختصة.
ولا يقتصر التعامل مع الابتزاز على جمع الأدلة، بل يشمل أيضاً طلب الدعم من شخص موثوق وآمن، بحسب المحامية، التي تشير إلى أن الخوف والضغط النفسي قد يدفعان الضحية إلى الاستجابة لمطالب المبتز، خصوصاً عندما تشعر بأنها تواجه الموقف بمفردها.
وبعد توثيق الواقعة وطلب الدعم، يمكن اللجوء إلى استشارة قانونية للتعرف إلى الخيارات المتاحة والإجراءات المناسبة، وفقاً لطبيعة التهديد والظروف المحيطة به.
الحساب المجهول.. هل يمكن كشف هوية صاحبه؟
لا يعني استخدام حساب مجهول أن الوصول إلى هوية صاحبه مستحيل، إذ يمكن تقديم شكوى وطلب إجراء التحقيقات التقنية اللازمة، بحسب ما أوضحته المحامية موّنس.
وتشير إلى أن الجهات المختصة يمكنها جمع الأدلة الرقمية والتحقيق في الواقعة، والاستعانة بالبيانات المتاحة لدى مزودي خدمات الاتصالات والإنترنت، وفق الإجراءات المتبعة والإمكانات المتاحة، بهدف تحديد هوية المستخدم المشتبه به.
في المقابل، تحذر المحامية من الاستعانة بأشخاص يدّعون قدرتهم على كشف هوية المبتز بطرق غير رسمية، أو ما يُعرف بـ«الهاكرز»، لما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر إضافية، مثل التعرض لابتزاز مالي جديد أو إساءة استخدام المعلومات الشخصية.
وتشدد على أهمية طلب المساعدة القانونية في وقت مبكر، من دون انتظار تنفيذ التهديد أو نشر المحتوى الخاص، إذ تساعد الاستشارة المبكرة في تحديد الخطوات المناسبة للتعامل مع الواقعة.
الوصمة الاجتماعية.. عائق أمام الإبلاغ
لا يرتبط التردد في الإبلاغ عن التحرش أو الابتزاز الإلكتروني بالخوف من الشخص الذي يمارس التهديد وحده، بل قد يتصل أيضاً بردود فعل الأسرة والمحيط الاجتماعي.
وتخشى بعض النساء انكشاف الواقعة أو تعرضهن للوم والتشكيك، ولا سيما إذا كانت تربطهن بالشخص المبتز علاقة سابقة، أو إذا كنّ قد شاركن معه صوراً أو معلومات خاصة بموافقتهن.
وفي بيئات تتأثر بالأعراف الاجتماعية والسلطة الأبوية، قد تجد المرأة نفسها أمام خطر التعرض للوم بدلاً من تلقي الدعم، إذ يجري أحياناً التركيز على سلوكها أو طبيعة علاقتها بالطرف الآخر، بدلاً من مساءلة الشخص الذي استخدم المعلومات الخاصة للتهديد أو الابتزاز.
وفي هذا السياق، تؤكد المحامية موّنس أن طلب المشورة القانونية ليس «فضيحة»، بل خطوة يمكن أن تساعد المرأة على حماية خصوصيتها وحقوقها.
وتروي يارا، وهي شابة مقيمة في دمشق، لـ«عنب بلدي»، أنها تعرضت قبل نحو عام لتهديد عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي من شاب لا تعرفه، فلجأت إلى المسار القانوني لمتابعة القضية.
وبحسب إفادتها، انتهت القضية بمعاقبة الشخص بغرامة مالية والحبس لمدة شهرين.
وتقول يارا: «يمكن أن تكون العقوبة غير شافية، لكنها قد تصبح رادعاً كي لا يعيد هذا التصرف معي أو مع غيري».
وتسلط تجربتها الضوء على إمكانية اللجوء إلى الإجراءات القانونية لمواجهة التهديدات الإلكترونية، رغم ما قد تتطلبه هذه الإجراءات من وقت وجهد.
من جهتها، تشير موّنس إلى أن بعض القضايا قد تستغرق وقتاً أطول، خصوصاً عندما يكون المشتبه به خارج سوريا، الأمر الذي قد يضيف تعقيدات إجرائية إلى مسار التقاضي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استحالة ملاحقته قانونياً.
آثار نفسية تمتد إلى الحياة اليومية
لا تتوقف آثار التحرش والابتزاز الإلكتروني عند لحظة تلقي الرسالة أو التهديد، بل قد تستمر حتى بعد انقطاع التواصل، وتنعكس على العلاقات الاجتماعية والشعور بالأمان والثقة بالآخرين.
ويقول اختصاصي علم النفس الإكلينيكي والسريري وجدي المحيثاوي، في حديثه إلى «عنب بلدي»، إن الآثار النفسية للتحرش الإلكتروني قد تكون مماثلة في شدتها لبعض الآثار المرتبطة بالتحرش الجسدي، موضحاً أنها قد تتراوح بين القلق والخوف والإحراج والشعور بانتهاك الخصوصية، وقد تصل إلى فقدان الثقة بالنفس وبالآخرين.
ويضيف أن بعض النساء قد يعانين العزلة واضطرابات النوم أو أعراضاً مرتبطة بالصدمة النفسية. كما قد تظهر لدى بعض الأشخاص الذين لديهم استعداد مسبق أعراض بارانوائية، وفق تعبيره.
ويؤكد المحيثاوي أن شعور المرأة بأنها مُصدَّقة وليست وحدها يمثل جزءاً مهماً من عملية التعافي، خصوصاً عندما تواجه الخوف من ردود فعل الأسرة أو المجتمع.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما تشدد عليه المحامية موّنس بشأن أهمية وجود شخص موثوق وآمن يمكن للمرأة اللجوء إليه، بما يساعدها على التعامل مع الموقف بعيداً عن الضغوط التي قد تدفعها إلى اتخاذ قرارات لا ترغب بها.
الحماية تبدأ بوقف اللوم
تؤكد المحامية منار موّنس أن النساء والفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش أو الابتزاز الإلكتروني لسن مسؤولات عن استغلال خصوصيتهن أو تهديدهن. وتدعوهن إلى عدم مواجهة هذه التجارب بمفردهن، والاحتفاظ بالأدلة الرقمية، وطلب المشورة القانونية في وقت مبكر، والاستعانة بأشخاص موثوقين للحصول على الدعم.
من جهته، يشدد اختصاصي علم النفس وجدي المحيثاوي على أهمية عدم لوم الذات، والتعبير عن المشاعر وطلب المساعدة عند الحاجة، مشيراً إلى أن الاستماع إلى الضحية وتصديقها وتوفير بيئة آمنة لها تشكل خطوات أساسية في التعامل مع الآثار النفسية لهذه التجارب.
وفي ظل المخاوف المرتبطة بالوصمة الاجتماعية وانتهاك الخصوصية، لا ينبغي اختزال التعامل مع التحرش والابتزاز الإلكتروني في سلوك الضحية أو خياراتها الشخصية، بل يتطلب توفير سبل واضحة لطلب الحماية، وتعزيز الوعي بالحقوق والإجراءات القانونية، وإتاحة الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررات.
اقرأ أيضاً:الاحتطاب في سوريا يتجاوز رقابة الحراج.. 700 ضبط لا توقف نزيف الغابات