20 ألف إصابة سرطان سنوياً في سوريا.. أرقام تتصاعد وسط عجز القطاع الصحي عن مواكبة المرضى

في بلد أنهكته سنوات الحرب وتآكلت فيه قدرة النظام الصحي، لم يعد السرطان مجرد معركة طبية يخوضها المرضى داخل غرف العلاج، بل أصبح اختباراً جديداً لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إعادة بناء قطاع صحي فقد كثيراً من أدواته. فبينما تعلن وزارة الصحة تسجيل آلاف الإصابات سنوياً، يبقى الوصول إلى التشخيص المبكر والعلاج المتخصص مرتبطاً بإمكانات محدودة وطوابير انتظار طويلة.

مدير إدارة أمراض السرطان في وزارة الصحة، الدكتور جميل دبل، كشف أن سوريا تسجل سنوياً ما بين 17 و20 ألف إصابة سرطان جديدة، معتبراً أن هذه الأرقام تنسجم مع المعدلات العالمية، وأن ارتفاع الحالات يعود إلى النمو السكاني وتحسن عمليات الكشف المبكر، وليس بالضرورة إلى زيادة انتشار المرض.

لكن خلف الأرقام الرسمية، تظهر فجوة واسعة بين حجم الحاجة وقدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة، في ظل نقص الأجهزة الطبية المتخصصة، وتراجع البنية التحتية، واستمرار الاعتماد على إمكانات محدودة لا تتناسب مع أعداد المرضى المتزايدة.

تشخيص متأخر… وأجهزة لا تكفي

تقول وزارة الصحة إنها استحدثت دائرة للوقاية والكشف المبكر تستهدف سرطانات الرئة والثدي وعنق الرحم، إلا أن برامج الكشف المبكر ما تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص المعدات اللازمة، ما يجعل كثيراً من الحالات تصل إلى مراحل متقدمة قبل اكتشافها.

ويشير دبل إلى وجود نقص في أجهزة الماموغرام والطبقي المحوري وأجهزة الكشف عن فيروس الورم الحليمي البشري، إضافة إلى محدودية أجهزة العلاج الشعاعي، إذ لا تعمل في المشافي الحكومية سوى أربعة أجهزة مسرّع خطي، وهو عدد لا يوازي حجم الحاجة الفعلية، ويؤدي إلى تأخير مواعيد العلاج وزيادة معاناة المرضى.

وفي ظل هذا النقص، لا تصبح رحلة علاج السرطان معركة ضد المرض فقط، بل معركة أخرى ضد الانتظار، وبعد المسافة، ومحدودية الخيارات المتاحة أمام المرضى وعائلاتهم.

خطط حكومية أمام واقع صحي منهك

تؤكد الحكومة السورية الانتقالية استمرار تقديم علاج السرطان مجاناً في المشافي والمراكز المتخصصة، والعمل على تأمين الأدوية واستكمال النواقص، إلى جانب التعاون مع جهات داعمة لتوفير أجهزة الكشف وإنشاء مراكز جديدة لعلاج الأورام.

لكن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال تبدو محدودة أمام حجم التحديات التي خلفتها سنوات الإهمال والتدمير، إذ يحتاج القطاع إلى إعادة بناء شاملة تشمل تحديث التجهيزات، وتأهيل الكوادر، وتوسيع مراكز العلاج، وإنشاء نظام فعال للبيانات والكشف المبكر.

كما أن الاعتماد على الدعم الخارجي لتوفير بعض التجهيزات يكشف استمرار ضعف القدرة المحلية على تمويل قطاع صحي حيوي، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الطبية للسكان.

السرطان يكشف هشاشة النظام الصحي

ولا تقتصر مواجهة المرض على توفير الدواء أو الجهاز الطبي، إذ تشدد وزارة الصحة على ضرورة التزام الكوادر بإجراءات السلامة عند التعامل مع العلاج الكيميائي، ضمن استراتيجية وطنية للتحكم بالسرطان.

لكن نجاح أي استراتيجية يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من مرحلة إدارة النقص إلى مرحلة بناء منظومة صحية حقيقية، قادرة على الوقاية والتشخيص والعلاج.

فأرقام السرطان السنوية ليست مجرد إحصائية طبية، بل مرآة لواقع صحي هش، يضع آلاف السوريين أمام معركة يومية للحصول على فرصة علاج، في وقت ما تزال فيه وعود الإصلاح الصحي تصطدم بإرث طويل من التراجع ونقص الإمكانات.

 

اقرأ أيضاً: الحراقات البدائية في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد البيئة والصحة وسط صراع لقمة العيش

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.