الحراقات البدائية في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد البيئة والصحة وسط صراع لقمة العيش
يُشكل ملف الحراقات البدائية في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في المشهد السوري الحالي. فبين مطرقة الظروف المعيشية القاسية وسندان الأضرار البيئية والصحية الكارثية، يتحرك هذا القطاع غير القانوني ليشكل ما يُعرف بـ “اقتصاد الظل” الذي نما وتغذى على سنوات الحرب والفوضى، لا سيما في أرياف حلب ودير الزور.
خريطة انتشار حراقات النفط البدائية في سوريا
توزعت الحراقات العشوائية في عدة مناطق سورية مستفيدة من غياب الرقابة الرسمية وتوفر المادة الخام. وتتركز جغرافيّاً في:
-
المناطق الشرقية والشمالية الشرقية: بالقرب من حقول وآبار النفط الرئيسية في محافظات دير الزور، الحسكة، والرقة.
-
ريف حلب الشرقي: وتحديداً في مدن وبلدات الباب، جرابلس، وترحين، حيث تضم منطقة ترحين وحدها نحو 400 حراقة بدائية تنتج آلاف البراميل يومياً من المشتقات النفطية مجهولة الجودة.
-
محافظة إدلب: تنتشر فيها الحراقات بدرجات أقل، لتأمين الاحتياجات المحلية من الوقود.
المخاطر البيئية والصحية: ثمن باهظ يدق ناقوس الخطر
وفقاً لتوثيقات ومتابعات المرصد السوري لحقوق الإنسان، خلّف الانتشار العشوائي لعمليات تكرير النفط البدائية آثاراً مدمرة على السكان والطبيعة، تتمثل في:
1. الأزمات الصحية والوفيات
تنبعث من هذه الحراقات غازات سامة وأدخنة كثيفة وروائح كريهة، مما أدى إلى تسجيل مئات حالات الاختناق والأمراض الصدرية المزمنة. وقد سُجلت بالفعل حالات وفاة وإصابات مباشرة نتيجة استنشاق هذه الغازات، وتتضاعف هذه المعاناة خلال فصل الصيف مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة التي تزيد من تركّز الملوثات في الهواء.
2. الكارثة البيئية والزراعية
لم تقتصر الأضرار على البشر، بل امتدت لتشمل:
-
تلوث التربة والمياه الجوفية نتيجة تسرب المخلفات النفطية السامة.
-
تدمير الغطاء النباتي والمساحات الخضراء.
-
تراجع الإنتاجية الزراعية بشكل حاد في المناطق المحيطة بالحراقات، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي.
قرارات الإغلاق تفجر توترات ميدانية واحتجاجات
أصدرت الجهات المعنية قرارات حاسمة تقضي بإغلاق وإزالة الحراقات البدائية. هذا القرار قوبل بموجة عارمة من الرفض والاعتراض من قِبل أصحاب الحراقات والعمال، الذين يرون فيها مصدر رزقهم الوحيد في ظل انعدام البدائل الاقتصادية.
وقد رصدت المتابعات الميدانية تطورات أمنية متسارعة:
-
في ريف حلب (ترحين وتل الشعير): اندلعت توترات أمنية واحتكاكات مباشرة بين القوات الأمنية والعاملين أثناء حملات الإزالة، مما استدعى إرسال تعزيزات لضبط الأوضاع.
-
في دير الزور (بادية ذيبان وأبو النيتل): تم تنفيذ عمليات تفجير لعدد من الحراقات بعد أن أعاد أصحابها تشغيلها تحدياً للقرارات الصادرة.
شبكات التهريب واقتصاد الظل: لماذا تفشل الحلول الجزئية؟
تعتمد هذه الحراقات بشكل كامل على النفط الخام أو الفيول الذي يصل إليها عبر شبكات تهريب المشتقات النفطية الناشطة بين مناطق النفوذ المختلفة في سوريا.
مكمن الخلل: إن استمرار نشاط شبكات التهريب والأسواق غير النظامية يعني أن أي معالجة أمنية تقتصر على إغلاق الحراقات دون ضبط مسارات توزيع النفط من منبعه ستبقى مجرد “علاج موضعي” للمشكلة وليس حلاً جذرياً.
رؤية مستدامة: كيف يمكن حل أزمة الحراقات في سوريا؟
يؤكد المراقبون الحقوقيون والاقتصاديون، ومن بينهم المرصد السوري، على أن الحل لا يمكن أن يكون أمنياً بحتاً. وتتطلب المعالجة الناجعة مقاربة شاملة تقوم على ركيزتين:
-
المقاربة الأمنية والاقتصادية: ضبط ومكافحة شبكات تهريب الفيول، وإعادة تنظيم قطاع الطاقة السوري بشكل قانوني وشامل.
-
المقاربة الإنسانية والمعيشية: توفير بدائل عمل حقيقية ومشاريع تنموية لآلاف العمال الذين يعتمدون على هذا القطاع، لتفادي قذفهم إلى مستنقع البطالة والفقر المدقع.
إن إنقاذ البيئة والصحة العامة في سوريا ضرورة قصوى، لكنها يجب ألا تأتي على حساب تجويع الآلاف، بل من خلال حلول مستدامة تقتلع الأزمة من جذورها.
إقرأ أيضاً: حلب:أهالي ترحين يناشدون الشرع لوقف شلال الدماء وإنصاف أصحاب الحراقات
إقرأ أيضاً: أصحاب الحراقات في جرابلس يعلنون رفضهم لحملة إزالتها ويحذرون من الصدام