مرفأ اللاذقية: تاريخ الاستثمار الفرنسي وتطوير بوابة سوريا اللوجستية إلى المتوسط
قبيل مرور عام كامل على توقيع مجموعة “سي أم أي” و”سي جي أم” (CMA CGM) الفرنسية عقداً لتطوير وتشغيل مرفأ اللاذقية باستثمار أولى بلغ 230 مليون يورو، أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، خلال اللقاء الذي جمعه بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق بتاريخ 7 تموز/يوليو الجاري، عن قرار المجموعة ضخ 200 مليون يورو إضافية لرفع الطاقة الاستيعابية للمرفأ.
يعيد هذا الاستثمار تسليط الضوء على المنفذ البحري الرئيسي لسوريا، ويطرح تساؤلات حول الأسباب التي تجعل المرفأ أحد أهم الأصول الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يستدعي مراجعة تاريخه وقيمته الاقتصادية الممتدة عبر أكثر من سبعة عقود.
نشأة المرفأ وتحوله إلى أولوية وطنية (1950 – 1988)
تأسست “الشركة العامة لمرفأ اللاذقية” في 12 شباط/فبراير 1950 كقطاع مشترك يتبع لوزارة الاقتصاد، قبل إلحاقها بوزارة النقل عام 1974 وتحولها إلى شركة عامة عام 1982.
وقد نُفذ إنشاء المرفأ الحديث عبر مرحلتين:
-
المرحلة الأولى (1954 – 1958): شملت بناء الأرصفة وصوامع الغلال، ليُفتتح بصورته الحديثة عام 1956 مستقبلاً ما بين 1200 و1500 سفينة سنوياً.
-
المرحلة الثانية (1974 – 1985): توسعة الأرصفة لمواكبة زيادة حركة التجارة التي تجاوزت الطاقة الاستيعابية المحددة سابقاً بـ 1.5 مليون طن سنوياً.
-
توسعة عام 1988: شهد المرفأ أكبر عملية توسعة في تاريخه الحديث بإنشاء أرصفة جديدة، وتعميق الأحواض الملاحية لاستقبال السفن الكبيرة، وتطوير محطة الحاويات وتزويدها برافعات حديثة.
وارتبط المرفأ منذ بدايته بشبكة السكك الحديدية الوطنية، مما جعله الشريان البحري الأساسي للواردات والصادرات ومحوراً للتنمية الوطنية بحسب تقارير البنك الدولي. وفي عام 2009، دخلت مجموعة “CMA CGM” الفرنسية لأول مرة على خط إدارة وتشغيل محطة الحاويات بموجب عقد عُدّل وجُدد لاحقاً.
الأهمية التجارية والأمنية: بين الحركة الملاحية وتحديات التهريب
يستحوذ مرفأ اللاذقية على نحو 70% من زيارات السفن للموانئ السورية و83% من مجموع الحمولة الوزنية، مستقبلاً سفن الحاويات، وناقلات النفط، وسفن “الرورو” (Ro-Ro)، والبضائع العامة.
خطوط “الرورو” (Roll-on/Roll-off) هي نظام نقل بحري حديث لنقل الشاحنات والمقطورات والسيارات بكامل حمولتها دون الحاجة لتفريغها أو إعادة شحنها
الظهير الاقتصادي: منفذ دمشق والممر نحو الخليج والعراق
تنبع أهمية المرفأ الجيواستراتيجية من موقعه عند نقطة التقاء المتوسط بالممرات البرية المؤدية إلى حمص، حماة، حلب، ودمشق، وصولاً إلى الأردن والأسواق الخليجية.
ويمتلك المرفأ ميزة لوجستية حيث لا تتجاوز المسافة بين الساحل السوري والعمق الأردني والعراقي نحو 500 كيلومتر، مما يجعله خط ترانزيت يختصر الوقت والتكلفة مقارنة بالمسارات المائية الطويلة. وتتقاطع هذه الميزة مع توجهات بديلة للممرات البحرية المعرضة الاضطرابات مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز.
التنسيق اللوجستي السوري – التركي: رؤية “الموانئ الشقيقة”
شهدت العلاقات الملاحية بين مرفأ اللاذقية ومرفأ مرسين التركي محطات بارزة:
-
شراكة ما قبل 2011: إطلاق رحلات عبّارات أسبوعية (2006 – 2010)، وربط حركة الشحن مع شبكة السكك الحديدية وخطوط “الرورو” متجهة نحو إيطاليا وأوروبا.
-
استئناف رحلات “الرورو”: انطلاق السفينة التركية (Lady Roz) بين مرسين واللاذقية لنقل الشاحنات والبضائع مباشرة دون تفريغ.
-
بروتوكول “الموانئ الشقيقة”: توقيع اتفاقيات تعاون بين غرفتي تجارة مرسين واللاذقية في آب/أغسطس 2025 وزيارات متبادلة في أيار/مايو 2026، بهدف بناء ممر لوجستي متكامل يربط تركيا وسوريا والعراق بدول الخليج.
وتتكامل الشراكة الفرنكونية-التركية في هذا الملف استثمارياً؛ حيث تملك المجموعة التركية (Yıldırım Holding) حصة تبلغ 24% من أسهم مجموعة “CMA CGM” الفرنسية المُشغلة للمرفأ، مما يعكس تقاطع المصالح الإقليمية والأوروبية حول إعادة تأهيل المرفأ ليكون مركزاً لوجستياً في شرق المتوسط.
إقرأ أيضاً: مرفأ اللاذقية: مئات العمال يواجهون الاستقالة القسرية وتعويضات مجمدة
إقرأ أيضاً: حركة الترانزيت تنتعش.. مرفأ طرطوس يصدر أول شحنة كبريت عراقية عبر الأردن