آثار درعا تحت الحفر والتخريب.. أكثر من 180 موقعاً أثرياً بحماية لا تتجاوز ربع الحاجة
لا تحتاج آثار درعا إلى اكتشاف قيمتها، فهي موزعة على مساحة المحافظة كطبقات متراكمة من التاريخ، من التلال والبلدات القديمة إلى المساجد والكنائس ومحطات الخط الحديدي الحجازي. لكن هذا الإرث الواسع يواجه واقعاً أقل اتساعاً بكثير: أكثر من 180 موقعاً أثرياً مسجلاً، فيما لا يتجاوز عدد الحراس المتوفرين ربع الحاجة الفعلية، وفق مدير آثار درعا محمد خير نصر الله.
وبحسب دائرة الآثار، تعرض أكثر من 80 بالمئة من المواقع لأشكال مختلفة من التخريب أو الضرر، سواء بفعل التنقيب غير المشروع واستخدام الحفارات والمعدات الثقيلة، أو نتيجة القصف والعمليات العسكرية التي طالت عدداً من المعالم خلال سنوات الحرب.
المفارقة أن الدولة تتعامل مع هذا الإرث بوصفه ملفاً يحتاج إلى ترميم بعد وقوع الضرر، بينما تكشف الوقائع أن المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير: في غياب القدرة على الوصول إلى الموقع ومراقبته وحمايته.
مواقع واسعة.. وحماية محدودة
امتدت أعمال الحفر العشوائي إلى مواقع في بصرى الشام وتل شهاب ودرعا البلد وغرز، إضافة إلى مواقع أخرى تنتشر من شمال المحافظة إلى جنوبها. واستخدم المنقبون أجهزة كشف المعادن ووسائل حفر تقليدية، وصولاً إلى الجرافات والمعدات الثقيلة التي لا تكتفي بالبحث عن اللقى، بل تضرب الطبقات الأثرية نفسها وتفقد الموقع جزءاً من قيمته العلمية.
وتقول دائرة الآثار إن التنقيب غير المشروع شهد ارتفاعاً خلال الفترة الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، قبل أن يتراجع خلال العام الحالي مع تسجيل حالات توقيف ومصادرة أدوات وإحالة مخالفين إلى القضاء.
لكن انخفاض التعديات لا يلغي هشاشة الحماية. فالموقع الأثري الذي لا يملك حارساً أو جولة ميدانية منتظمة يبقى مكشوفاً أمام الحفر والسرقة، خصوصاً في محافظة واسعة تنتشر فيها المواقع بعيداً عن المراكز الحضرية.
وتحتاج الدائرة، وفق مسؤوليها، إلى مهندسين وآثاريين وحراس جوالين وسيارات ودراجات نارية، وهي احتياجات تبدو أساسية لأي جهاز مكلف بحماية هذا العدد من المواقع، لا مطالب إضافية يمكن تأجيلها.
الحرب تركت أثراً آخر
لم تكن الجرافات وحدها مصدر الخطر. فقد ألحقت العمليات العسكرية أضراراً بعدد من المباني والمعالم التاريخية، ولا سيما في بصرى الشام، حيث تضررت مواقع ومبانٍ بينها سرير بنت الملك ومدرسة أبي الفداء والجامع العمري ومساجد وكنائس تاريخية.
وتكشف هذه الأضرار أن ملف التراث في درعا ليس ملف تنقيب وسرقة فحسب، بل جزء من فاتورة حرب تركت وراءها بنية أثرية تحتاج إلى توثيق وترميم وحماية في آن واحد.
وتشير أحدث المعطيات الرسمية إلى أن بصرى الشام بدأت تستعيد نشاطها السياحي، مع تسجيل أكثر من 10,800 سائح خلال النصف الثاني من عام 2026، بالتوازي مع خطط لتأهيل مواقعها التاريخية.
لكن عودة الزوار لا تعني أن المواقع استعادت عافيتها. فالسياحة تحتاج إلى آثار قائمة، والآثار تحتاج قبل السياحة إلى حماية مستمرة وتمويل طويل الأمد.
الترميم يأتي بعد فوات جزء من الوقت
تعمل دائرة آثار درعا وفق الإمكانات المتاحة على إعداد دراسات لترميم عدد من المباني، بينها السرايا التاريخية ومبنى المرور في مدينة درعا، إضافة إلى جوامع ومبانٍ أثرية في معربة والمسيفرة وإزرع ومحجة وقيطة وتسيل.
كما جرى تسجيل مواقع ومبانٍ جديدة على قائمة التراث الوطني، وتسلمت الدائرة قطعاً أثرية سلمها مواطنون، في مؤشر إلى وجود مساحة يمكن للمجتمع المحلي أن يؤدي فيها دوراً أكبر في حماية التراث. وفي أيلول، سلّم أحد أبناء ريف درعا مديرية الآثار آلاف القطع التي جمعها على مدى نحو 20 عاماً.
غير أن الاعتماد على المبادرات المحلية لا يمكن أن يكون بديلاً عن جهاز حكومي قادر على حماية المواقع بصورة مؤسسية.
التراث لا يُحمى بالخطط وحدها
تبدو الخطط الحكومية واضحة في عناوينها: زيادة الحراس، تأمين وسائل النقل، منع البناء والهدم والترميم داخل المناطق الأثرية من دون موافقات، إشراك البلديات، وتطوير مسار سياحي يربط شعارة والمسمية وإزرع ومسيكة والمتاعية وبصرى الشام.
لكن الفجوة تقع في التنفيذ. فوجود أكثر من 180 موقعاً مقابل قوة حماية لا تغطي سوى ربع الحاجة يكشف اختلالاً بين حجم المسؤولية والإمكانات المرصودة لها.
وهنا يصبح الحديث عن المسارات السياحية والإنارة واللوحات التعريفية سابقاً لأوانه ما لم تُؤمَّن الحماية الأساسية للموقع. فالتراث الذي يُترك مكشوفاً للحفر والسرقة لا تنقذه لاحقاً لافتة سياحية، كما أن الترميم لا يعيد بالضرورة ما تفقده الطبقات الأثرية من معلومات عندما تُقتلع بصورة عشوائية.
درعا لا تفتقر إلى التاريخ، بل إلى القدرة المؤسسية التي تحميه. وبينما تسعى الجهات الرسمية إلى تحويل هذا الإرث إلى مورد سياحي واقتصادي، ما تزال المحافظة بحاجة إلى ما هو أبسط وأكثر إلحاحاً: حراس، وسائل نقل، كوادر متخصصة، تمويل مستقر ورقابة ميدانية تمنع تدمير الأثر قبل أن يصبح مشروعاً للترميم.
فالخطر الحقيقي ليس أن يتأخر ترميم حجر، بل أن تختفي طبقة كاملة من تاريخ المكان تحت حفرة لا يمكن إعادة ردمها بما كانت عليه.
اقرأ ايضاً: آثار عفرين تواجه دماراً واسعاً.. 70% من المواقع الأثرية تضررت