سد حلبية وزلبية في دير الزور.. موارد ضخمة معلّقة بين الدراسات والتأجيل
على امتداد أكثر من 450 كيلومتراً يقطعها نهر الفرات داخل الأراضي السورية بعد سد كديران، يبقى النهر من دون منشأة سدّية جديدة تستثمر مياهه في توليد الطاقة وتنظيم الجريان وتوسيع الرقعة الزراعية. وفي دير الزور، يعود مشروع سد حلبية وزلبية إلى الواجهة مجدداً، لا بوصفه مشروعاً جديداً، بل باعتباره مشروعاً قديماً تراكمت سنوات التأجيل فوق دراساته، فيما تتسع الحاجة إلى كل ميغاواط وكل متر مكعب من المياه في بلد يواجه أزمة مزمنة في الطاقة والزراعة والبنية التحتية.
مدير الموارد المائية في دير الزور حازم المحيسني قال إن الحاجة إلى البدء بتنفيذ المشروع تزداد، مشيراً إلى أن الدراسات القائمة تمنح السد دوراً في توليد الطاقة وري آلاف الهكتارات وتنظيم مجرى الفرات.
سد واحد.. أكثر من وظيفة
وفق الدراسة المشار إليها من مدير الموارد المائية، تبلغ القدرة التوليدية المتوقعة للسد نحو 81 ميغاواط، فيما تصل السعة التخزينية للبحيرة إلى نحو 140 مليون متر مكعب، مع إمكانية إرواء نحو 27 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. كما تطرح الدراسة إنشاء محطة تخزين كهرومائي باستخدام بحيرة السد، بقدرة تصل إلى نحو 1000 ميغاواط، مع إمكانية إقامة محطات إضافية مستقبلاً نتيجة فارق الارتفاع بين منسوب البحيرة والأرض الطبيعية.
وهذه الأرقام تكشف أن المشروع يتجاوز فكرة إنشاء حاجز على النهر؛ فهو يرتبط بالطاقة والزراعة وتنظيم المياه وفرص العمل في آن واحد. لكن المفارقة أن هذه الوظائف كلها بقيت، حتى الآن، في نطاق الدراسات والخطط، بينما تواصل دير الزور التعامل مع بنية مائية تحتاج إلى التأهيل والاستثمار، وشبكة كهربائية تحتاج إلى كل مصدر إنتاج متاح.
سنوات الدراسات لا تكفي
المشكلة الأساسية ليست في غياب التصور الهندسي للمشروع، بل في المسافة الطويلة بين الدراسة والتنفيذ. فالمحيسني يوضح أن المرحلة الأولى، الخاصة بدراسة الجدوى الاقتصادية وتحديد الموقع والمنسوب الأمثل للتخزين وموقع المحطة الادخارية، تحتاج اليوم إلى إعادة تقييم بسبب مرور سنوات وتغير المعطيات والكلف المالية.
أما المرحلة الثانية، فتتطلب دراسات تفصيلية للسد والمحطة الادخارية، إلى جانب دراسة حماية قلعتَي حلبية وزلبية من تأثير البحيرة، وتستغرق وفق التقديرات نحو ثلاث سنوات. وبعد ذلك تأتي مرحلة التنفيذ، المقدرة بنحو أربع سنوات للسد وست سنوات للمحطة الادخارية.
بهذا الحساب، لا يتعلق الأمر بمشروع يحتاج إلى قرار سريع ثم يبدأ إنتاج الكهرباء والمياه، بل بمسار طويل يحتاج أولاً إلى إعادة تقييم الدراسات، ثم سنوات من التصميم والتنفيذ. وفي بلد تعاني فيه قطاعات الكهرباء والزراعة والمياه من نقص التمويل والبنية التحتية، تصبح كلفة التأخير أكبر من مجرد تأجيل مشروع إنشائي.
الري.. شبكة تحتاج إلى إصلاح لا إلى استمرار الهدر
ولا ينفصل مشروع السد عن واقع الري في دير الزور. فمشاريع الري الحكومية تؤدي دوراً أساسياً في إيصال المياه إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، لكن استمرار الاعتماد على الري بالغمر يضع التربة أمام مخاطر التملح، ويزيد الضغط على المياه في ظل تغير المناخ وتراجع الموارد.
ويرى المحيسني أن إعادة تأهيل مشاريع الري القائمة يجب أن تترافق مع إرشاد المزارعين وسن أنظمة داعمة وتقديم حوافز تساعدهم على الانتقال إلى الري الحديث.
وهنا تظهر فجوة أخرى في إدارة القطاع الزراعي: لا يكفي أن تصل المياه إلى الأرض إذا كانت طرق استخدامها تستهلك كميات أكبر وتضر بالتربة على المدى الطويل. كما لا يكفي الحديث عن دعم الزراعة إذا بقيت شبكات الري بحاجة إلى التأهيل، والتحول إلى تقنيات أكثر كفاءة متروكاً لقدرة المزارع المالية.
مشروع مؤجل في بلد يحتاجه الآن
سبق أن طُرح مشروع “حلبية وزلبية” منذ سنوات ضمن المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة الكهرومائية والري، ما يؤكد أن الفكرة ليست وليدة الحاجة الحالية.
لكن بقاء المشروع عند عتبة إعادة تقييم الدراسات يختصر مشكلة أوسع في إدارة البنية التحتية السورية: خطط طويلة الأمد تتراكم، فيما تتآكل قدرة القطاعات الحيوية على الانتظار.
دير الزور لا تحتاج إلى مشروع على الورق بقدر حاجتها إلى مسار واضح ينقل المشروع من الدراسات إلى التنفيذ، بالتوازي مع إعادة تأهيل شبكات الري القائمة ودعم التحول إلى الري الحديث. فالفرات الذي يمر في قلب المحافظة لا ينقصه الماء وحده؛ ما ينقصه استثمار طويل الأجل يحول هذا المورد إلى كهرباء وزراعة واستقرار اقتصادي بدلاً من أن يبقى وعداً مؤجلاً في ملفات المؤسسات.
اقرأ أيضاً: العجز المائي في سوريا يتفاقم.. الجفاف يستنزف السدود والمياه الجوفية