الزراعة السورية بين نار التكاليف وغياب الدعم.. هل تُرك الفلاح وحيداً في مواجهة الانهيار؟
رغم الخطابات الرسمية التي تتحدث عن أولوية الأمن الغذائي وإحياء القطاع الزراعي، لا يزال الفلاح السوري يقف وحيداً في مواجهة أزمة تتسع عاماً بعد آخر، وسط ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، وتراجع الدعم الحكومي، وضعف أدوات التسويق والتمويل، في مشهد يعكس استمرار عجز الحكومة السورية الانتقالية عن تقديم حلول عملية لإنقاذ أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بمعيشة السوريين.
فالزراعة السورية، التي كانت لعقود إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، باتت اليوم تواجه سلسلة من الأزمات المتراكمة، تبدأ من البذار والأسمدة والمحروقات، ولا تنتهي عند الري والجفاف وارتفاع تكاليف النقل، بينما تتآكل أرباح المزارعين أمام تقلبات الأسعار، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على التدخل لضبط الأسواق أو حماية المنتج المحلي.
تكاليف ترتفع… وأرباح تتبخر
يؤكد مزارعون من عدة محافظات أن مواسم الزراعة تحولت إلى مغامرة خاسرة، بعدما أصبحت كلفة تجهيز الأرض وزراعتها وحصادها وتسويقها تفوق في كثير من الأحيان العائد النهائي للمحصول.
ويقول المزارع عمران الوادي من ريف اللاذقية إن أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات باتت تستنزف معظم رأس المال، فيما يضيف مزارعون من ريف حماة أن أزمة التسويق لا تقل خطورة، إذ يُجبر المنتجون على بيع محاصيلهم بأسعار متدنية لا تغطي تكاليف الإنتاج، بسبب غياب التدخل الحكومي الفعال وتنظيم الأسواق.
ويرى عدد من الفلاحين أن الجمعيات الفلاحية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن مصالحهم، تحولت إلى مؤسسات محدودة التأثير، بينما بقي اتحاد الفلاحين عاجزاً عن إحداث تغيير ملموس في الملفات الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها التمويل والتسويق وتأمين مستلزمات الإنتاج.
وعود تنظيمية… وواقع لا يتغير
من جهته، يؤكد اتحاد الفلاحين أنه يواصل نقل مطالب المزارعين إلى الجهات الحكومية، والتنسيق مع وزارات الزراعة والطاقة والاقتصاد والمصرف الزراعي لمعالجة المشكلات التي تواجه القطاع.
كما يشير الاتحاد إلى تأسيس 98 تعاونية إنتاجية متخصصة خلال العامين الماضيين، وتوسيع برامج التدريب والإرشاد الزراعي، إلى جانب العمل على تطوير قواعد البيانات والتعاونيات الإنتاجية.
لكن هذه الخطوات، بحسب مراقبين، ما تزال بعيدة عن معالجة جذور الأزمة، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف التمويل الزراعي، فضلاً عن غياب سياسات اقتصادية مستقرة تمنح الفلاحين الحد الأدنى من الأمان للاستثمار في أراضيهم.
تمويل غائب… ومستقبل مهدد
ويقر اتحاد الفلاحين نفسه بوجود صعوبات كبيرة تعيق عمله، من بينها نقص الموارد المالية، وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، وضعف الإمكانات الفنية والإدارية، إضافة إلى آثار التغيرات المناخية والظروف الاقتصادية التي تضرب القطاع.
كما يعترف بضعف استجابة المصرف الزراعي لحجم احتياجات المزارعين، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى برامج تمويل حقيقية وقروض ميسرة وتقنيات حديثة تعيد الحياة إلى الإنتاج الزراعي، بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات الإدارية والوعود المتكررة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الواقع يهدد بخروج أعداد متزايدة من المزارعين من العملية الإنتاجية، مع توسع ظاهرة هجر الأراضي الزراعية وتراجع المساحات المزروعة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق.
وفي ظل غياب رؤية حكومية واضحة لإعادة بناء القطاع الزراعي، تبدو معاناة الفلاح السوري مرشحة للاستمرار، بينما تبقى الخطط المعلنة حبراً على ورق، ما لم تُترجم إلى إجراءات فعلية تخفف أعباء الإنتاج، وتعيد الثقة إلى المزارعين الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة السوق والأزمات وحدهم، وسط اقتصاد يزداد هشاشة وحكومة انتقالية لم تنجح حتى الآن في تحويل وعود الإصلاح إلى واقع يلامسه العاملون في الأرض.
اقرأ أيضاً: وزير الزراعة من الرقة: استراتيجية شاملة لتحديث التشريعات وإنهاء احتكار المستلزمات