الفستق الحلبي السوري.. سعر يرتفع وربح يتآكل مع كلفة الإنتاج والمنافسة الإيرانية

لا تكفي زيادة سعر الفستق الحلبي هذا الموسم لإنقاذ المزارعين من حسابات موسم أكثر كلفة وأقل إنتاجاً. فبينما يباع كيلو الفستق الجاهز للأكل بنحو 6.5 إلى 7 دولارات، والفستق بالعنقود بين 4 و4.5 دولار، يجد المزارعون أنفسهم أمام هامش ربح أضيق مما توحي به الأسعار، بعدما ارتفعت كلفة الأدوية والمحروقات والأسمدة واليد العاملة، وتراجع الإنتاج في مناطق رئيسية، ودخل الفستق المستورد إلى سوق ينافس المنتج المحلي.

المفارقة أن محصولاً يفترض أن يشكل مورداً مهماً للريف السوري ومصدراً للعملة الصعبة، ما يزال المزارع فيه يتحمل الجزء الأكبر من مخاطر الإنتاج، بينما تبقى قدرته على التأثير في السعر والتسويق والتصدير محدودة.

سعر أعلى لا يعني دخلاً أفضل

يقول المزارع غسان دوبا، الذي يملك نحو ثمانية هكتارات في منطقة أعزاز بريف حلب الشمالي، إن الأسعار الحالية لا تتناسب مع حجم التكاليف، خصوصاً مع اقتصار التسويق على السوق المحلية وعدم القدرة على تصريف المحصول خارجياً.

وكان سعر الفستق بالعنقود العام الماضي يتراوح بين 2.75 و3 دولارات للكيلوغرام، لكن دوبا يؤكد أن نسبة الربح كانت آنذاك أفضل. ويرى أن السعر العادل هذا الموسم يجب أن يصل إلى نحو 9 دولارات للفستق الجاهز، وأن يتجاوز خمسة دولارات للفستق بالعنقود، في ظل ارتفاع بعض تكاليف مستلزمات الإنتاج بأكثر من 40%.

وهكذا يتحول ارتفاع السعر من مؤشر ظاهري على تحسن قيمة المحصول إلى نتيجة محدودة الأثر على المزارع، عندما تلتهم كلفة الإنتاج الجزء الأكبر من العائد.

الاستيراد يضغط على المنتج المحلي

يضيف دخول الفستق الإيراني إلى السوق السورية طبقة أخرى من الضغط. وبحسب دوبا، فإن منافسة المنتج المستورد تؤثر في السعر المحلي وتحد من قدرة المزارع السوري على تحقيق عائد يتناسب مع جودة محصوله.

ويشير إلى أن بعض معامل الحلويات تفضل الفستق الإيراني لطبيعته الأكثر جفافاً وقدرته على امتصاص القطر، في حين يحتفظ الفستق الحلبي السوري بنسبة أعلى من الزيت.

أما وزارة الزراعة، فتقول إن الاستيراد والتصدير يخضعان لقرارات لجنة تضم عدة جهات، وإن “الروزنامة الزراعية” تحدد فترات السماح بالاستيراد أو وقفه وفق العرض والإنتاج وحاجة السوق. كما يمنح مكتب الفستق شهادات منشأ للمنتج السوري بعد عمليات كشف لمنع تصدير الفستق الأجنبي على أنه محلي.

لكن المشكلة بالنسبة للمزارع لا تتوقف عند وجود الروزنامة، بل في قدرتها على تحقيق توازن فعلي بين حاجة السوق وحماية محصول محلي يحتاج إلى أسواق مستقرة ومسارات تصدير واضحة. وكانت الحكومة قد سمحت سابقاً باستيراد الفستق الحلبي المجفف ضمن قرار شمل الثمار القشرية، بعد قرارات سابقة بمنع بعض المنتجات الزراعية وفق الروزنامة الزراعية.

إنتاج حلب يتراجع

تبلغ المساحة المزروعة بالفستق الحلبي في سوريا نحو 67.9 ألف هكتار، تضم قرابة 10.5 ملايين شجرة، منها نحو 8 ملايين شجرة مثمرة. وتتركز المساحات في حماة وحلب وإدلب، فيما تشير تقديرات الموسم الحالي إلى إنتاج نحو 12,690 طناً في حلب، مقابل 25,360 طناً في إحصاءات عام 2025. وتبقى أرقام الموسم الحالي تقديرية إلى حين انتهاء عمليات الحصر.

ويرتبط التراجع جزئياً بالجفاف الذي شهدته البلاد خلال 2025، والذي أثر في تكوّن البراعم الثمرية، إضافة إلى ظاهرة “المعاومة” التي تجعل إنتاج الفستق يتفاوت طبيعياً من موسم إلى آخر. وفي المقابل، ساعدت أمطار الشتاء والربيع هذا العام على إعطاء مؤشرات أفضل للموسم المقبل.

الدعم ما يزال في صيغة الخطط

يطالب المزارعون بأسمدة ومبيدات وآليات زراعية بأسعار مخفضة، وقروض ميسرة تساعدهم على تحمل كلفة الزراعة، بينما يؤكد دوبا أنه لم يحصل على دعم حكومي مباشر هذا الموسم، بعد توقف الدعم الذي كانت تقدمه بعض المنظمات في ريف حلب الشمالي.

وتعلن وزارة الزراعة برامج إرشادية وتوزيع غراس ومطاعيم بأسعار رمزية، كما تعمل على إعداد “البرنامج الوطني لتطوير قطاع الفستق الحلبي”. وفي تموز الماضي، وقعت الوزارة مذكرة تفاهم لتطوير إنتاج الفستق والغراس والاستثمار الزراعي، فيما تؤكد رسمياً أن الهدف هو رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة والتصدير.

لكن بالنسبة إلى المزارع الذي يدفع كلفة الدواء والوقود والسماد والعمل الآن، تبقى الخطط المستقبلية أقل أهمية من الدعم الذي يصل إلى الحقل في موعده. فالفستق الحلبي لا تنقصه القيمة ولا الأسواق المحتملة؛ ما ينقصه سياسة متماسكة تربط الإنتاج بالكلفة والتسويق والتصدير، وتحمي المزارع من أن يتحول موسم المحصول المرتفع القيمة إلى موسم آخر تتسع فيه الفجوة بين ما يدفعه لإنتاجه وما يكسبه عند بيعه.

 

اقرأ ايضاً: الفستق الحلبي السوري يتوسع.. الإنتاج يكبر والمزارع يخسر معركة التصدير

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.