حطب القنيطرة وريف دمشق الغربي يقفز إلى 50 ألف ليرة للطن.. التدفئة تدفع الأهالي نحو قطع الأشجار

لم يعد تأمين التدفئة في القنيطرة وريف دمشق الغربي مسألة مرتبطة باقتراب الشتاء فحسب، بل تحوّل إلى عبء معيشي يسبق البرد نفسه. فقد قفز سعر طن الحطب المستخدم على نطاق واسع للتدفئة إلى نحو 50 ألف ليرة سورية جديدة، بعدما كان يتراوح العام الماضي بين 20 و25 ألفاً، في ارتفاع يصل إلى الضعف وفق الأسعار المتداولة محلياً.

الزيادة تأتي في وقت يعاني فيه كثير من سكان المحافظة من البطالة وضعف فرص العمل، ما يجعل كلفة التدفئة أكبر من قدرة أسر كثيرة على الاحتمال، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع قدرة الأهالي على تأمين مصادر بديلة للطاقة.

التدفئة تتحول إلى عبء إضافي

بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على الحطب، لم تعد المشكلة في اختيار وسيلة التدفئة، بل في القدرة على شرائها أصلاً. فسعر الطن الذي كان يشكل خياراً بديلاً عن المحروقات بات يقترب من مستويات تجعل تأمينه عبئاً مستقلاً، فيما لا تبدو في الأفق بدائل ميسورة يمكن أن تستوعب حاجة الأسر خلال أشهر الشتاء.

وتزداد قسوة المشهد في محافظة تعاني أصلاً من انتشار البطالة ومحدودية مصادر الدخل. ومع ارتفاع كلفة المحروقات والحطب معاً، يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام خيارات لا علاقة لها بالتدفئة الآمنة، فيلجؤون إلى ما يتوفر حولهم من كرتون وثياب بالية وبلاستيك وبقايا أغصان على جوانب الطرق.

وهكذا تصبح التدفئة، التي يفترض أن تكون خدمة أساسية في الشتاء، اختباراً يومياً لقدرة الأسرة على تأمين أبسط شروط العيش، بينما تتحمل الأسر وحدها تبعات ارتفاع الأسعار وغياب البدائل الفعلية.

عندما يصبح الحطب أغلى من قدرة الأهالي

القلق لا يتعلق بالسعر وحده. فكلما ارتفعت كلفة الحطب وتراجعت القدرة الشرائية، يصبح الضغط على الغطاء النباتي أكبر، خصوصاً في المناطق التي تحيط بها الأحراش والغابات.

وتحذر المعطيات المحلية من عودة القطع الجائر للأشجار، ليس فقط في الأحراش، بل أيضاً في الأشجار المثمرة التي قد تتحول، تحت ضغط الحاجة، إلى مصدر وقود بديل. وتأتي هذه المخاوف بعد سنوات تعرضت خلالها غابات جباتا الخشب وطرنجة وبريقة لعمليات قطع واسعة، كان الاتجار بالحطب أحد دوافعها الرئيسية نتيجة ارتفاع أسعاره.

والخطر هنا يتجاوز خسارة أشجار متفرقة. استمرار القطع العشوائي يعني استنزاف الغطاء الحرجي الذي تحتاج استعادته إلى سنوات طويلة، بينما يمكن أن تُمحى مساحات منه خلال موسم شتاء واحد إذا تحولت الأزمة المعيشية إلى دافع دائم لقطع الأشجار.

وفي حال استمر هذا المسار من دون حماية فعالة ورقابة حقيقية، فإن الغابات والمحميات في القنيطرة قد تتحول تدريجياً إلى مخزون وقود مفتوح أمام المحتاجين والمتاجرين معاً.

غابات تتآكل من جهتين

ولا يواجه الغطاء النباتي في المحافظة ضغطاً واحداً. فإلى جانب القطع الجائر الذي شهدته مناطق عدة خلال السنوات الماضية، تعرضت مساحات من حراج جباتا في منطقة الأشجار للتجريف والقطع على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك أجزاء من غابة كودنة في ريف القنيطرة الجنوبي.

وبذلك تتراكم الخسائر على بيئة هشة أصلاً: أشجار تُقطع لتأمين التدفئة، ومساحات حراجية تتعرض للتجريف، وأسر تبحث عن أي وسيلة لتجاوز شتاء آخر بأقل كلفة ممكنة.

المشكلة أن ارتفاع سعر الحطب لا يأتي منفصلاً عن الواقع الاقتصادي العام، بل يكشف عجزاً أوسع عن تأمين بدائل طاقة يمكن للأسر محدودة الدخل الوصول إليها. وحين تضطر الأسرة إلى الاختيار بين شراء الوقود أو تأمين احتياجاتها الأساسية، يصبح اللجوء إلى الحطب مفهوماً، حتى لو كانت كلفته البيئية مؤجلة وأشد خطراً.

ومع اقتراب الشتاء، تبدو الحاجة أكبر إلى معالجة أصل المشكلة لا الاكتفاء بمراقبة أسعار الحطب أو ملاحقة من يقطع الأشجار بعد وقوع الضرر. فترك الأسر أمام وقود باهظ وحطب يتضاعف سعره يعني عملياً دفعها نحو خيارات أكثر خطراً على صحتها وبيئتها، فيما يستمر الغطاء الحرجي في دفع ثمن أزمة اقتصادية لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه أمامها.

 

اقرأ أيضاً: برد الشتاء يدفع عائلات لاستخدام وسائل تدفئة خطرة وسط تدهور الأوضاع المعيشية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.