الانتقال الاقتصادي في سوريا.. من رفع الدعم إلى اقتصاد بلا خريطة واضحة

لم تكن احتجاجات السوريين على ارتفاع أسعار المشتقات النفطية مجرد اعتراض على سعر المازوت أو البنزين، بل بدت أقرب إلى إنذار اقتصادي واسع بشأن الكلفة التي يدفعها المواطن في مرحلة انتقال لم تُشرح ملامحها بما يكفي. فالمحروقات لا تدخل في حسابات النقل فقط، بل تمتد كلفتها إلى الإنتاج والتخزين والخدمات وأسعار الغذاء، ما يجعل أي زيادة فيها قابلة للانتقال سريعاً إلى معظم تفاصيل الحياة اليومية.

وقد رفعت الحكومة الانتقالية في أيلول أسعار البنزين والمازوت والغاز، مبررة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالمياً وتعطل مصفاة بانياس مؤقتاً وزيادة الاعتماد على الاستيراد. ووصل سعر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة لليتر، قبل أن تعود الحكومة إلى اعتماد شرائح أقل سعراً لبعض الاستخدامات، بينها التدفئة والزراعة.

لكن التراجع الجزئي عن القرار لم يبدد السؤال الأساسي: إلى أين يتجه الاقتصاد السوري، ومن يدفع ثمن هذا الانتقال؟

رفع الدعم ليس سياسة اقتصادية متكاملة

كان الدعم، على امتداد عقود، جزءاً من علاقة الدولة السورية بالأسعار والسلع الأساسية، رغم ما رافقه من تشوهات وهدر وفساد. ومع انهيار النموذج الاقتصادي السابق، بدأت الدولة بالتخلي تدريجياً عن أدوار كانت تؤديها في حماية أسعار بعض السلع والخدمات.

المشكلة أن الانتقال من نموذج اقتصادي إلى آخر لا يمكن اختزاله في تحرير الأسعار. فرفع الدعم قد يكون جزءاً من إصلاح مالي واقتصادي، لكنه يصبح شديد الكلفة عندما لا ترافقه سياسات لحماية الدخول، وضبط الأسواق، وتحسين الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، وإعادة توزيع العبء الضريبي.

وهنا تبدو الفجوة في الحالة السورية واضحة. فالمواطن يسمع عن قرارات سعرية متتابعة، لكنه لا يرى بالقدر نفسه خريطة اقتصادية معلنة تحدد شكل الاقتصاد الذي يجري بناؤه، وما الذي ستحتفظ به الدولة، وما الذي ستنسحب منه، وكيف ستُحمى الفئات الأقل دخلاً خلال السنوات الانتقالية.

من “اقتصاد السوق الاجتماعي” إلى ماذا؟

لا يمكن فهم الاقتصاد السوري الجديد فقط من خلال القطيعة السياسية مع عهد بشار الأسد. فالاقتصاد الذي ورثته السلطة الانتقالية لم يكن اشتراكياً بالمعنى التقليدي منذ سنوات طويلة.

فالنموذج السوري انتقل منذ التسعينيات إلى ما سمي “اقتصاد السوق الاجتماعي”، مع توسع تدريجي لدور القطاع الخاص وتراجع أجزاء من الدور الاقتصادي المباشر للدولة. لكن هذا التحول لم ينتج سوقاً حرة مكتملة، إذ بقيت قطاعات واسعة مرتبطة بالنفوذ السياسي، وضعفت المنافسة، وتداخل الاقتصاد مع شبكات المصالح والامتيازات.

لذلك فإن مجرد إعلان الانتقال إلى اقتصاد السوق لا يكفي. السؤال الحقيقي هو: أي اقتصاد سوق؟ وبأي قواعد؟

فالسوق لا يصبح حراً لمجرد انسحاب الدولة من دعم سلعة أو رفع سعر خدمة. الحرية الاقتصادية تحتاج إلى قانون منافسة، وحقوق ملكية واضحة، وقضاء قادر على حماية العقود، وبيئة استثمار مستقرة، وضرائب عادلة، ومؤسسات تمنع احتكار السوق من قبل أصحاب النفوذ.

الخطر في انتقال بلا قواعد

تحتاج سوريا إلى رأس مال واستثمارات وإعادة إعمار واسعة، ولا خلاف على أن القطاع الخاص سيكون جزءاً أساسياً من هذه العملية. كما أن البنك الدولي يشير إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية منذ بداية المرحلة الانتقالية، مع توقع استمرار التعافي بصورة متواضعة، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى ارتفاع مستوى عدم اليقين واستمرار هشاشة قطاعات واسعة من الاقتصاد.

غير أن جذب الاستثمار لا يتحقق بالمذكرات والوعود وحدها. المستثمر يحتاج إلى قواعد يعرف من خلالها حقوقه والتزاماته، كما يحتاج المواطن إلى معرفة القواعد التي تحكم انتقال ملكية الموارد والخدمات والأسواق.

وإذا بقيت القوانين والمؤسسات أضعف من حجم التحول الاقتصادي، فإن الخطر لا يكمن في العودة إلى النموذج السابق، بل في إعادة إنتاج نموذج آخر من رأسمالية المحاسيب، تكون فيه الفرص الاقتصادية مرتبطة بالقرب من مراكز القرار أكثر من ارتباطها بالمنافسة والكفاءة.

وهنا تحديداً تظهر مسؤولية الحكومة الانتقالية. فغياب الإطار الواضح لا يترك الاقتصاد محايداً، بل يفتح المجال أمام الأكثر قدرة على الوصول إلى القرار والنفوذ ورأس المال.

الدولة الاجتماعية ليست عودة إلى الماضي

يبدو النقاش السوري أحياناً وكأنه يضع خيارين متناقضين: إما اقتصاد تديره الدولة وتدعمه، وإما سوق حرة تتخلى فيها الدولة عن التدخل. لكن التجارب الاقتصادية الحديثة أكثر تعقيداً من ذلك.

حتى الاقتصادات الرأسمالية تعتمد بدرجات مختلفة على الإنفاق الاجتماعي والتحويلات والدعم الموجه والتأمينات العامة، خصوصاً عندما تتعرض المجتمعات لأزمات أو حروب أو كوارث اقتصادية.

وفي سوريا، حيث ما تزال مستويات الفقر مرتفعة وتحتاج قطاعات واسعة إلى إعادة بناء، فإن التخلي السريع عن أدوات الحماية الاجتماعية من دون بدائل فعالة يعني عملياً نقل كلفة الإصلاح إلى الأسر ذات الدخل المحدود.

وهذا هو الجانب الأكثر حساسية في قرارات الأسعار: ليس السؤال فقط عن كلفة السلعة على الدولة، بل عن قدرة المواطن على تحمل السعر الجديد.

الإصلاح الذي يبدأ من المواطن لا من الورقة

أظهرت احتجاجات المحروقات أن القرارات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي. فقد شهدت عدة محافظات احتجاجات وقطع طرق وإضرابات بالتزامن مع تطبيق الأسعار الجديدة، ما دفع الحكومة لاحقاً إلى طرح أسعار مختلفة للمازوت بحسب الاستخدام.

كما عقدت الجمعية العمومية جلسة استماع لوزير الطاقة بشأن الزيادة، في خطوة جاءت بعد موجة الاحتجاجات.

لكن أن تأتي التوضيحات بعد انفجار الاعتراض الشعبي يعني أن السياسة الاقتصادية تُشرح في كثير من الأحيان بوصفها رد فعل على الأزمة، لا باعتبارها جزءاً من مشروع معلن مسبقاً.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق في الانتقال الاقتصادي السوري: ليس في أن الأسعار ترتفع فقط، بل في أن المواطن لا يعرف إلى أي اقتصاد يُطلب منه أن يدفع هذه الكلفة.

سوريا تحتاج بالفعل إلى إعادة بناء اقتصادها، وجذب الاستثمار، وتوسيع الإنتاج، وإعادة تعريف دور الدولة. لكن نجاح ذلك لن يُقاس بعدد الأسعار التي رُفعت أو الدعم الذي أُلغي، بل بقدرة الدولة على بناء قواعد واضحة تحمي المنافسة وتمنع الاحتكار، وتضمن في الوقت نفسه ألا تتحول كلفة الانتقال إلى عبء دائم على الفئات الأضعف.

أما ترك الاقتصاد يتحرك بقرارات جزئية، وبيانات تبريرية، واستجابات تأتي بعد الاحتجاجات، فيعني أن سوريا قد تدخل اقتصاداً جديداً من دون أن تكون قد أجابت بعد عن السؤال الأكثر أهمية: من يملك قواعد اللعبة، ومن سيدفع ثمنها؟

 

اقرأ أيضاً: من 20 إلى 200 مليار دولار.. ماذا تعني قفزة الاقتصاد السوري التي يتحدث عنها الشرع؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.