مدارس ريف اللاذقية بعد العودة.. بيوت تُرمم وطلاب يفتقدون مقاعدهم
لا تنتهي رحلة العودة إلى قرى ريف اللاذقية الشمالي عند باب المنزل الذي أعيد ترميمه، فالعائلة التي نجت من سنوات النزوح واستعادت بيتها وأرضها تجد نفسها أمام سؤال آخر أكثر التصاقاً بمستقبلها: أين سيدرس الأطفال؟
في جبلي الأكراد والتركمان، ما تزال عشرات المدارس خارج الخدمة، فيما لم تكفِ المدارس التي أعيد افتتاحها لاستيعاب جميع الطلاب أو تغطية مختلف المراحل التعليمية. ومع عودة مزيد من السكان، يتحول نقص المدارس من مشكلة خدمية إلى عائق مباشر أمام تثبيت العائلات في مناطقها.
وبحسب بيانات مديرية التربية والتعليم في اللاذقية، توجد 25 مدرسة يمكن استئناف العملية التعليمية فيها، بينما تخضع 15 مدرسة للترميم أو البناء، وتحتاج 37 مدرسة أخرى إلى تدخلات مختلفة. أرقام تكشف أن إعادة فتح بعض المدارس لم تعالج بعد الفجوة التعليمية التي خلفتها سنوات طويلة من الضرر والتعطل.
الثانوية الغائبة تُثقل قرار العودة
يقول علي إبراهيم، أحد العائدين، إن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد المدارس، بل بتوزعها والمراحل التي توفرها. فالمرحلة الثانوية تحديداً ما تزال محدودة في المنطقة، ما يجبر الطلاب على التوجه إلى قرى ومناطق أخرى، ويضيف إلى الأسرة كلفة النقل والوقت والقلق على أبنائها.
وتزداد المشكلة حدة في القرى الجبلية، حيث تخدم مدرسة واحدة أكثر من تجمع سكاني، فيما لا يتوفر نقل مدرسي منتظم. وهكذا يتحول اليوم الدراسي بالنسبة إلى بعض الأطفال إلى رحلة تبدأ قبل ساعات من الدوام، وتنتهي بعودة مرهقة، بدلاً من أن تكون المدرسة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية في القرية.
وتقول ريم عبد الجليل إن الأسرة قد تتحمل مؤقتاً ضعف بعض الخدمات الأخرى، لكن التعليم مسألة مختلفة، خصوصاً عندما يكون الطفل في المرحلة الثانوية، حيث يصبح استمرار الدراسة عاملاً حاسماً في قرار الأسرة بالبقاء أو البحث عن مكان آخر.
مدارس عادت.. لكن الفجوة باقية
شهد ريف اللاذقية خلال الفترة الماضية عودة عدد من المدارس إلى الخدمة بعد ترميمها، ومنها ثلاث مدارس في قريتي الفرز والمريج في جبل الأكراد بجهود محلية.
لكن الأهالي يرون أن ترميم الأبنية وحده لا يكفي. فالمدرسة التي تفتح أبوابها لطلاب المرحلة الأساسية لا تعالج مشكلة طالب يحتاج إلى التعليم الثانوي، كما أن وجود مدرسة بعيدة لا يحل المشكلة إذا لم تتوفر وسيلة نقل آمنة ومنتظمة.
ويقول عبد الرحمن شيخاني إن غياب المدرسة داخل القرية يفرض كلفة على الأسرة بأكملها، إذ تضطر إلى تنظيم حياتها حول مواقيت النقل، أو تحمل نفقات إضافية للوصول إلى المدرسة، فيما تصبح الخيارات أكثر ضيقاً في القرى التي لم تعد مدارسها إلى الخدمة.
التعليم جزء من تثبيت السكان
تظهر المشكلة في نهاية المطاف كأكثر من نقص في الأبنية المدرسية. فالعائلات العائدة تحتاج إلى منظومة حياة كاملة حتى تتمكن من الاستقرار: منزل صالح للسكن، ومصدر دخل، وخدمات أساسية، ومدرسة قريبة وآمنة.
وهنا تواجه الحكومة السورية الانتقالية اختباراً خدمياً يتجاوز ترميم الأبنية. فاستمرار عودة السكان من دون خطة واضحة لتوزيع المدارس وتأمين التعليم الثانوي والنقل المدرسي يترك جزءاً من عملية التعافي ناقصاً، ويجعل بعض العائلات أمام خيار صعب بين العودة إلى قراها وبين ضمان تعليم أطفالها.
فالعودة التي لا تجد مدرسة قريبة لأطفالها تبقى عودة غير مكتملة، والمدرسة في هذه المناطق ليست مجرد بناء يعاد فتحه، بل إحدى العلامات الأولى على أن الحياة عادت فعلاً إلى القرى، لا أن السكان عادوا إليها فقط.
اقرأ أيضاٌ: إدلب ومدارس “الأرقام المتحركة”.. من 450 إلى 600 مدرسة بين افتتاحات متتالية وحسابات لا تتطابق