تهدد العشائر العربية بإشعال ملف الحسكة بمعركة جديدة، وذلك على إثر التعيينات الإدارية الأخيرة والتي كان من بينها تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت للمحافظة يضم 11 عضواً من بينهم سبعة منتسبين لـ «قوات سوريا الديمقراطية»، بحسب المعلومات التي حصلت عليها شبكة “داما بوست”، فإن الأعضاء السبعة الذين من بينهم محافظ الحسكة ينتمون لـ «حزب العمال الكردستاني» – المنظمة الموضوعة على اللائحة السوداء لمجموعة من الدول. لكن هذه التعيينات تشير بشكل واضح إلى أن حكومة دمشق رضخت بشكل كامل لشروط «قسد»، المدعومة بشكل مباشر من قبل مجموعة من الدول الأوروبية على رأسها فرنسا، وترتبط أيضاً بالولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من أن الأخيرة تظهر مواقف تشير إلى أنها قد تتخلى عن القوى السياسية الكردية لصالح دمشق في أي لحظة.
وتقول مصادر عشائرية من محافظة الحسكة في حديثها لـ “داما بوست” إن البيان الذي أصدره ما يسمى «مجلس شورى أبناء الحسكة الأحرار» قد يبدو في ظاهره انقلاباً في الموقف من «الحكومة الانتقالية»، ولكنه في الجوهر يصدر بالتنسيق الكامل مع «الحكومة» بهدف الضغط على «قوات سوريا الديمقراطية» كي تقدم بعض التنازلات في مسألة التعيينات الإدارية لإدارات مرافق الدولة، بحجة تخفيف الاحتقان العشائري الناتج عن تفرد «قسد» بإدارة المؤسسات الأكثر حيوية في محافظة الحسكة. مشيرة إلى أن نظام المحاصصة بين «الحكومة» و«قوات سوريا الديمقراطية» لإدارة المحافظة يقوم على أن يكون مدراء غالبية المؤسسات من «قسد» ومعاونوهم من «الحكومة»، وفي المؤسسات التي سيكون حق الإدارة العامة فيها لـ «الحكومة» سيكون المعاونون من «قسد». كما إن غالبية الوظائف الحكومية باتت لمن توافق عليهم «قسد» بعد فصل الموظفين القدامى لأسباب تتراوح بين تبعيتهم للنظام أو توصيفهم بـ «الفائض الوظيفي».
ورقة العشائر والحسابات الإقليمية: سيناريوهات المواجهة المُؤجلة
وتعتبر دمشق أن ورقة العشائر هي الورقة التي يمكن من خلالها إشعال المنطقة الشرقية بحرب ضد «قسد» في أي لحظة تختارها دمشق، وتقول المصادر في حديثها لـ “داما بوست”: يبدو أن دمشق تنتظر اللحظة المناسبة للانقلاب على كل اتفاق الاندماج الموقع مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وقد تكون هذه اللحظة بالتزامن مع بدء التحرك المحتمل للقوات السورية إلى داخل لبنان بهدف الاشتباك مع حزب الله تلبية للرغبة الأمريكية، أو بعد هذا الاشتباك بفترة بسيطة؛ إذ سيكون الضوء الأخضر الأمريكي ضرورة ملحة لبدء الاشتباك مع «قسد» بصورة مباشرة أو عبر العشائر العربية التي تُدعم لوجستياً من قبل الحكومة السورية. ولا يمكن تخيل أي تحرك للعشائر بدون إدارة مباشرة من قبل القوات الحكومية حتى وإن زعمت دمشق بأنها لا تدير مثل هذه المعركة.
الموقف التركي والتعقيدات الدولية في شرق الفرات
وإن كانت دمشق لم تقبل بنظام المحاصصة الإدارية في محافظة الحسكة إلا مرغمة بعد ضغوط أمريكية وفرنسية، فإنها تستند إلى موقف تركي متشدد ضد الوجود الكردي المسلح بالقرب من الحدود المشتركة بين سوريا وتركيا. وعلى الرغم من أن المواقف المعلنة من قبل قادة «قوات سوريا الديمقراطية» تقول إنها لا تمتلك أي نوايا للاشتباك مع القوات التركية أو الدخول في حالة عداء مباشرة مع أنقرة، إلا أن الأخيرة كانت قد استهدفت «قوات سوريا الديمقراطية» من خلال العمليات الجوية والعمليات الاستخبارية، وصولاً إلى العمليات البرية المباشرة من خلال الهجوم على عفرين في آذار من العام 2018، وعلى المنطقة الممتدة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض في تشرين الأول من العام 2019. ومع تصاعد الدور التركي داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام 2024، فإن تركيا تريد بشكل واضح أن تنهي كل ما تسميه تهديداً لأمنها القومي، وعلى رأس هذه التهديدات الفصائل الكردية المسلحة المرتبطة بـ «حزب العمال الكردستاني». فعلى الرغم من أن الأخير قد أعلن بشكل رسمي إنهاء الصراع مع الحكومة التركية، إلا أن احتمال العودة إلى الاشتباك قائم ما دامت الحكومة التركية مصرة على مواقفها المتشنجة من القوى السياسية الكردية في تركيا ودول جوارها، ويمكن القول إنها تمتلك حرية التحرك ضد الفصائل الكردية في سوريا أكثر من غيرها من دول وجود الكرد.
الثروات النفطية والزراعية: محرك الصراع على البوكمال والحسكة
ولأن محافظة الحسكة ذات قيمة إستراتيجية كبيرة على مستوى الثروات النفطية والزراعيّة، فإن دمشق تريدها تحت سيطرتها بشكل مباشر لتتمكن من التحكم بمقدرات الدولة السورية بشكل كامل، خاصة مع معرفة أن حقل السويدية للغاز الطبيعي هو واحد من أكبر الحقول في الشرق الأوسط، إضافة إلى أن مجموع حقول مدينة رميلان النفطية هي أكبر الحقول النفطية الموجودة في سوريا. كما أن إنتاج المحافظة من القمح والشعير والقطن يعد الأعلى على مستوى سوريا، وبالتالي وعلى أساس أن «الحكومة الانتقالية» تدير سوريا كأنها شركة استثمارية وليست دولة، فإنها تسعى لمحاولة السيطرة على كل ما يمكن أن يُستثمر أو يحقق ناتجاً محلياً.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى محاولة من «الحكومة» لإبقاء كامل مقدرات الدولة تحت إدارة مركزية تحقق عدالة توزيع الثروة، لكن بالنظر إلى جملة الممارسات التي تقوم بها «الحكومة الانتقالية» في الملف الاقتصادي، يبدو أنها تنظر إلى محافظة الحسكة على أنها من جملة غنائم الحرب التي يجب أن تكون تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام» بعد أن أصبحت «حكومة انتقالية» تدير دولة مثل سوريا.
المخاطر البشرية والسياسية لمواجهة مرتقبة في الشمال الشرقي
ولن تكون مثل هذه المعركة بدون خسائر بشرية كبيرة، وربما يصل الأمر إلى حد ارتكاب انتهاكات بحق المكون الكردي وكل المكونات التي توالي «قوات سوريا الديمقراطية»، بما في ذلك الشخصيات العشائرية التي تجد في تحالفها مع القوى الكردية ضرورة لحفظ تنوع محافظة الحسكة ومنع انزلاقها باتجاه صدام دموي على أساس عرقي أو طائفي. وإذا ما حدثت هذه المعركة فعلاً، فإن سوريا أمام مشكلة كبيرة قد تسبب انقلاب المواقف الأوروبية من دمشق نتيجة العلاقات التي كونتها «قوات سوريا الديمقراطية» خلال السنوات الماضية مع عدد كبير من الدول الأوروبية. وفي كل الأحوال، لا يمكن أن يُعد التهديد الذي أصدرته العشائر مسألة عابرة، وإنما ناقوس خطر يجب أن تتحرك ضده دمشق إذا ما كانت جادة في الحفاظ على وحدة البلاد ووقف الانتهاكات الطائفية، لكن يبدو أن «الحكومة السورية» تريد إعادة السيناريو الذي شهدته محافظة السويداء في تموز من العام الماضي بحجة الحفاظ على السيادة السورية.
إقرأ أيضاً: إعادة تنظيم الإدارة المحلية في الحسكة: قرارات جديدة وتعيينات تمهد لإنهاء الانقسام المؤسسي
إقرأ أيضاً: قسد تفرض شروطها في الاندماج.. محاصصة للمناصب الإدارية في الحسكة تميل لصالح الكرد