أراضي الرقة المصادَرة تعود إلى الواجهة.. مطالب بفتح ملف الملكيات المجمدة منذ عقود

عاد ملف الملكيات الزراعية المصادَرة والمستملكة في محافظة الرقة إلى الواجهة، بعد عقود بقيت خلالها شكاوى المالكين السابقين معلقة بين نصوص الإصلاح الزراعي وسجلات الملكية وملفات التعويض. وفي ظل التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، يطالب متضررون بإعادة النظر في التشريعات التي أعادت رسم خريطة الملكية الزراعية منذ خمسينيات القرن الماضي، وفتح الملفات التي بقيت من دون حسم.

وخلال وقفة احتجاجية أمام مبنى محافظة الرقة في 8 أيلول، طالب مشاركون بإلغاء أو تعديل القوانين المرتبطة بالإصلاح الزراعي، وإعادة النظر في ملفات الاستيلاء والاستملاك والتعويضات. ويرى المحتجون أن استمرار تجميد هذه الملفات يحول “المظالم التاريخية” إلى نزاع مفتوح ينتقل من جيل إلى آخر، فيما لم تقدم الحكومة الانتقالية حتى الآن مساراً تشريعياً واضحاً لحسم هذا النوع من النزاعات.

مصادرات قديمة وحقوق متنازع عليها

يقول أحمد عبد الباسط، أحد المشاركين في الوقفة، إن عائلات عدة في الرقة، خصوصاً المقيمة على ضفاف الفرات، تضررت من سياسات الاستيلاء على الأراضي، مشيراً إلى مصادرة مساحات واسعة وإعادة توزيعها على منتفعين جدد.

ويطالب عبد الباسط بمراجعة القوانين الناظمة للانتفاع بالأراضي، معتبراً أن انتهاء مدد الانتفاع في بعض الحالات لم ينعكس على حقوق المالكين الأصليين، فيما بقيت آثار تلك القرارات قائمة في الواقع العقاري حتى اليوم.

أما المحامي محمد البوحبال، وهو من المتضررين، فيقول إن أراضي عائلته صودرت عام 1969، وإن بعض عمليات المصادرة، بحسب قوله، تجاوزت الأراضي التي كانت مشمولة بأحكام الإصلاح الزراعي أو تجاوزت سقوف الملكية المحددة آنذاك.

كما يثير البوحبال ملف الاستملاك للنفع العام، مشيراً إلى أراضٍ استُملكت لمشروعات عامة ثم انتقلت لاحقاً، وفق روايته، إلى جهات أو جمعيات أخرى، مطالباً بإعادة فحص هذه الملفات وتعويض أصحاب الحقوق.

الإصلاح الزراعي بين إعادة التوزيع ومشكلة التنفيذ

صدر قانون الإصلاح الزراعي في سوريا عام 1958 خلال فترة الوحدة مع مصر، وحدد سقوف الملكية الزراعية، ونص على الاستيلاء على المساحات الزائدة وإعادة توزيعها على الفلاحين والمنتفعين، مع تعديلات لاحقة غيّرت بعض أحكامه وسقوف الملكية وآليات تطبيقه.

ويرى مؤيدو القانون أنه ساهم في تقليص تركز الملكية وتوسيع قاعدة المزارعين، بينما يعتبر معارضوه أن التطبيق أفرز تجاوزات ونزاعات لم تُحسم حتى اليوم.

لكن إعادة فتح الملف لا تعني قانوناً إعادة الأراضي تلقائياً إلى أصحابها السابقين. ويوضح الخبير القانوني حمدوش العلي أن الصكوك العثمانية القديمة لا تثبت وحدها الملكية بالمفهوم العقاري الحديث، وأن الفصل في النزاعات يتطلب تدقيق السجلات والوثائق وفق القوانين النافذة وقرارات القضاء المختص.

ويشير العلي إلى أن جزءاً من الأراضي التي كانت تُصنف تاريخياً كأراضٍ أميرية ارتبط بحقوق تصرف وانتفاع لا بملكية الرقبة، ما يجعل التعامل مع الوثائق القديمة من دون مراجعة السجلات العقارية الحديثة مدخلاً إلى نزاعات جديدة بدلاً من حل القديمة.

ملف يتسع من الرقة إلى دمشق

ولا تبدو قضية الرقة معزولة عن حراك أوسع؛ ففي 28 آب، نظم متضررون من قوانين الاستملاك والتأميم والإيجار القديم وقفة أمام مجلس الشعب في دمشق، مطالبين بإلغاء تشريعات عقارية صدرت خلال العقود السابقة، ورد الحقوق إلى أصحابها.

وتضع هذه التحركات الحكومة الانتقالية أمام ملف شديد التعقيد، لا يكفي معه إصدار قرار سياسي أو تعديل مادة قانونية منفردة. فالمطلوب آلية قضائية وتشريعية تفحص آلاف الملكيات، وتوازن بين حقوق المالكين السابقين والمنتفعين الذين حصلوا على سندات رسمية واستثمروا الأراضي لعقود.

وحتى الآن، يبقى غياب مسار معلن وشامل لمعالجة هذه الملفات أحد أبرز أوجه القصور في إدارة ملف الملكية بعد التغيير السياسي. فترك النزاع بين الوثائق القديمة والسجلات الحديثة، من دون لجنة مستقلة أو آلية قضائية واضحة وجدول زمني للحسم، يعني عملياً استمرار المشكلة نفسها بصيغة جديدة، وإبقاء أراضي الرقة رهينة لملف قانوني لم تُغلق صفحاته منذ عقود.

اقرأ ايضاً: خبراء أمميون يطالبون سوريا بتعليق قوانين نزع الملكية ومراجعة المرسوم 66 والقانون 10

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.