توترات أمنية تعيد درعا إلى الواجهة.. وقائع متداخلة بين الجريمة والخلافات العشائرية
شهدت محافظة درعا، جنوبي سوريا، خلال الأسابيع الماضية سلسلة حوادث أمنية شملت استهداف مدنيين واشتباكات خلال عمليات ملاحقة مطلوبين، كان أبرزها التوتر المستمر في مدينة الصنمين، حيث قُتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي وأصيب آخرون خلال مداهمة أمنية. وتواصلت العمليات الأمنية في المدينة لليوم الرابع على التوالي، مع توقيف مطلوبين ومواصلة البحث عن آخرين.
وتعيد هذه التطورات ملف الأمن في درعا إلى الواجهة، بعد تراجع وتيرة الحوادث التي كانت تشهدها المحافظة في الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق، وسط تفسيرات محلية تربط ما يجري بعوامل أمنية وجنائية وعشائرية متداخلة.
الصنمين في صدارة المشهد الأمني
بدأت أحدث موجة من التوتر في الصنمين مع عملية أمنية استهدفت توقيف مطلوبين، من بينهم محسن الهيمد، قبل أن تتحول المداهمة إلى اشتباكات أدت إلى مقتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي وإصابة آخرين. وأعلنت وزارة الداخلية لاحقاً توقيف خمسة مطلوبين، فيما قالت قوى الأمن إنها حددت هوية خلية قالت إنها مسؤولة عن استهداف عناصرها.
وبحسب تصريحات قائد الأمن الداخلي في درعا، العميد حسام مأمون الطحان، أظهرت المتابعة الأمنية أن الخلية يتزعمها محسن الهيمد وأحمد العثمان المعروف بلقب “الكشكي”، فيما أعلنت القوات ضبط أسلحة وذخائر وعبوات جاهزة للتفجير ومعدات لتصنيع المتفجرات خلال عمليات التفتيش.
وتستمر الحملة الأمنية في الصنمين لليوم الرابع، وسط عمليات تفتيش ومداهمة، في وقت أعلنت فيه الجهات الأمنية توقيف أشخاص مطلوبين خلال العمليات.
حوادث متفرقة في المحافظة
بالتزامن مع أحداث الصنمين، شهدت درعا خلال الفترة الأخيرة سلسلة حوادث أمنية أخرى.
وفي 18 أيلول الحالي، تعرض منزل الإعلامي براء مفعلاني للاستهداف بقذيفة “RPG”، بعد نحو عشرة أيام من استهداف سيارته بالرصاص المباشر.
وفي اليوم نفسه، ألقى مجهولون قنبلة يدوية على منزل محمد مقداد الكردي في مدينة بصرى الشام، أعقبها إطلاق نار باتجاه المنزل، بينما استُهدف منزل ناجي البردان في مدينة طفس بقنبلة يدوية في حادثة ثالثة.
وقبل ذلك، في 20 آب الماضي، انفجرت عبوتان ناسفتان قرب منزل القيادي السابق أدهم البرازي، ما أدى إلى مقتل شقيقه عصام البرازي، الذي كان مقيماً في الخارج ويقضي إجازته في سوريا، وفق ما نقلته مصادر محلية حينها.
وفي 17 آب، اندلعت اشتباكات في مدينة إنخل بريف درعا الشمالي، عقب مداهمة نفذتها قوى الأمن في أحد أحياء المدينة. ووفق المعلومات الواردة عن الحادثة، أطلق مطلوبون قذائف “RPG” وقنابل باتجاه سيارات دورية الأمن، ما أدى إلى تضرر سيارتين مدنيتين كانتا مستخدمتين من قبل القوات الأمنية خلال العملية.
وكانت المجموعة نفسها قد اشتبكت مع دورية لقوى الأمن الداخلي في الحي الشرقي من إنخل خلال حزيران الماضي، من دون أن تتمكن الدورية حينها من توقيف أفرادها.
السلاح وانتشار الخلافات العشائرية
ويرى الناشط الإعلامي عبد الحي الأحمد، المقيم في ريف درعا الشرقي، أن مسؤولية ضبط الأمن تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة، معتبراً أن جانباً من الخلل الحالي يرتبط، بحسب تقديره، بطريقة تعامل السلطات مع الملف الأمني.
وقال الأحمد إن طبيعة التعامل مع الحالات الأمنية وقدرة الأجهزة المختصة على إدارتها تمثلان عاملاً أساسياً في ضبط الوضع، مشيراً إلى تعقيدات خاصة في الجنوب السوري، بينها انتشار السلاح، وتعدد الولاءات الفصائلية، ووجود عناصر من النظام السابق.
وأضاف أن موقع درعا الحدودي مع الأردن، الذي كان خلال عهد النظام السابق ممراً رئيسياً في عمليات تهريب المخدرات، إلى جانب التحركات الإسرائيلية في غربي المحافظة، يزيد من تعقيد المشهد الأمني، وفق رأيه.
ويربط الأحمد عودة بعض الحوادث أيضاً بما يصفه بضعف البنية الأمنية، ووجود عناصر صغيرة السن، إلى جانب استبعاد عناصر من الفصائل السابقة ممن يمتلكون خبرة طويلة في التعامل مع الملفات الأمنية، بحسب قوله.
كما أشار إلى تزامن ذلك مع ظروف اقتصادية صعبة وتأخر ملف العدالة الانتقالية، منتقداً الاعتماد المتكرر على الحلول العشائرية في معالجة النزاعات.
ويقر الأحمد بأهمية الدور العشائري في المحافظة، لكنه يرى أن هذا الدور لا ينبغي، من وجهة نظره، أن يحل محل الإجراءات الأمنية والقضائية الرسمية.
“تصفية حسابات” أم خلافات محلية؟
من جهته، يفسر الناشط حمد خليل، المقيم في درعا، جانباً من التطورات الأخيرة باعتباره امتداداً لخلافات عشائرية، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة تراجعت خلال السنة الأولى بعد سقوط النظام قبل أن تعود خلال السنة الثانية بصورة أكبر، مع استخدام الأسلحة والقنابل اليدوية.
ويربط خليل عودة هذه الخلافات بانتشار السلاح بين السكان وبما يعتبره تهاوناً في التعامل مع قضايا تهدد السلم الأهلي، مشيراً إلى لجوء الدولة في كثير من الحالات إلى المصالحات العشائرية.
وبحسب خليل، فإن جانباً من السلاح المنتشر حالياً حصل عليه السكان من القطع العسكرية عقب سقوط النظام السابق.
وكانت قوى الأمن قد نفذت خلال الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط النظام حملات في عدد من القرى لمصادرة الأسلحة، إلا أن محدودية تلك الحملات وتوقفها لاحقاً لم يساهما، وفق تقديره، في الحد من انتشار السلاح.
قراءة جنائية وأمنية
أما الباحث محمد العمار، المقيم في محافظة درعا، فيرى أن جانباً كبيراً من الحوادث الأخيرة يحمل طابعاً جنائياً وعشائرياً، مستبعداً أن تكون جميعها مرتبطة بمحاولات لإحداث اضطراب أمني أو بأجندات خارجية.
ويصف العمار الجهاز الأمني الحالي بأنه “مرن وغير حازم” في تعامله مع الخلافات، معتبراً أن الاعتماد على الصلح يمثل إحدى أدوات معالجة النزاعات، في حين أن السكان لم يتكيفوا، بحسب رأيه، بصورة كاملة مع مساحة الحريات العامة الجديدة.
ويربط الباحث بين انتشار السلاح وارتفاع احتمالات وقوع الجرائم، مؤكداً أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل، من وجهة نظره، مسؤولية أساسية للسلطات.
اقرأ أيضاً:درعا: اعتقال شقيق قائد سابق في داعش بالصنمين