بعد جدل حول تصريحاته الأخيرة… الشيخ الرفاعي يتراجع السلفية “جزء أصيل” من سوريا

بعد أيام من الجدل الذي أثارته تصريحات سابقة لمفتي سوريا الشيخ أسامة الرفاعي حول “هيئة تحرير الشام” وبعض التيارات السلفية، أصدر بيان توضيحي ليعيد رسم حدود الموقف بلغة أكثر حذراً؛ فالرجل الذي تحدث في التسجيل المتداول عن خلافات وتحفظات سابقة، عاد ليؤكد أن “السلفية جزء أصيل من نسيج سوريا العلمي والدعوي”، وأن الخلاف معها لا يفسد الود.

وبصرف النظر عن تفسير البيان بوصفه تصحيحاً للسياق أو تراجعاً عن بعض ما أثارته التصريحات السابقة، فإن النتيجة السياسية والدينية تبدو واضحة: مفتي الجمهورية اضطر إلى إعادة ضبط عباراته بعد أن خرج النقاش من مجلس خاص إلى فضاء عام، وأصبح مطلوباً منه تقديم صيغة أكثر انسجاماً مع الخطاب الرسمي الجديد عن “وحدة الصف”.

من التحفظ على “الهيئة” إلى التوافق مع الشرع

يحاول الرفاعي في بيانه إعادة ترتيب روايته للعلاقة مع الرئيس أحمد الشرع و”هيئة تحرير الشام”. ويقول إنه خلال إقامته في إسطنبول كان يتلقى تقارير مضطربة عن الوضع في الداخل، قبل أن يلتقي لاحقاً بقيادات من الهيئة برئاسة الشرع قبيل معركة “ردع العدوان”، مشيراً إلى أن ذلك اللقاء بدد مخاوف سابقة مرتبطة باتهامات التطرف والتكفير.

ثم ينتقل البيان إلى المرحلة التالية: التوافق، بعد التحرير، على إنهاء صيغة المجلس الإسلامي السوري السابقة وتأسيس مجلس الإفتاء الأعلى، الذي يتولى الرفاعي رئاسته. وكان الشرع قد عيّن الرفاعي مفتياً عاماً للجمهورية ورئيساً لمجلس الإفتاء الأعلى في آذار 2025، مع تحديد هدف للمجلس يتعلق بتوحيد مرجعية الفتوى وضبط الخطاب الديني.

وهنا يبدو المشهد أكثر دلالة؛ فما كان في مرحلة سابقة موضع تحفظ وقلق، أصبح لاحقاً جزءاً من مسار من التفاهم والعمل المشترك. أما المواقف السابقة، فيعيد الرفاعي تفسيرها في ضوء ما وصفه بالمعلومات التي كانت متداولة آنذاك، والتي قال إنها لم تكن تعكس الصورة كاملة.

وحدة الخطاب” تدخل على الخط

لا يأتي هذا التوضيح في فراغ. ففي شباط الماضي أطلقت وزارة الأوقاف “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” باعتباره إطاراً جامعاً للعلماء والدعاة من مختلف المدارس، واعتمد رسمياً بحضور أكثر من 1500 من أهل العلم. كما تواصل الوزارة حالياً متابعة آليات تطبيقه.

لذلك يبدو بيان الرفاعي أقرب إلى إعادة تموضع خطابية منه إلى مجرد شرح عابر: السلفية أصبحت “جزءاً أصيلاً”، والخلافات السابقة تحولت إلى اختلاف علمي، والمطلوب هو “جمع الصفوف” و”تغليب المشتركات”.

لكن المفارقة أن هذا التوضيح لم يكتفِ بتفسير التصريحات السابقة، بل أعاد تقديم العلاقة مع التيارات السلفية بصيغة أكثر تقارباً، رغم أن الرفاعي كان قد أبدى في مواقفه السابقة تحفظاً واضحاً تجاه بعض الأفكار والممارسات المرتبطة بها. ومع انتقاله اليوم إلى التأكيد على أن السلفية “جزء أصيل” من النسيج الديني السوري، تبدو المسافة بين الموقفين واسعة، ولا سيما أن الخلافات التي أشار إليها سابقاً لم تكن مجرد اختلافات في التفاصيل، بل ارتبطت بقضايا فكرية وعقدية أثارت جدلاً واسعاً في المشهد الديني السوري.

وبذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بوحدة الخطاب الإسلامي التي تدعو إليها المؤسسة الدينية الجديدة، بل أيضاً بمدى ثبات المرجعيات الدينية على مواقفها السابقة عندما تتغير الظروف السياسية وموازين السلطة. فالاختلاف مع تيار ديني ذي تاريخ مثير للجدل في قضايا التكفير والتشدد يمكن أن يكون موقفاً فكرياً مستقلاً، بينما إعادة صياغته لاحقاً تحت عنوان “تغليب المشتركات” تفتح الباب أمام التساؤل عن حدود هذا التغيير وأسبابه.

في النهاية، قد يكون الرفاعي قد أراد إغلاق باب الجدل، لكنه فتح سؤالاً أوسع: هل توحيد الخطاب الديني في سوريا يعني إدارة الخلافات بحذر أكبر، أم إعادة صياغة المواقف السابقة بما يتناسب مع السلطة الجديدة؟ الإجابة ستحددها الممارسة، لا البيانات.

 

اقرأ أيضاً: مفتي سوريا يدعو لضبط النفس وسط تصاعد التوترات.. وتحذيرات من انزلاق المجتمع نحو خارج القانون

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.