صيادو طرطوس يدفعون كلفة البحر من جيوبهم.. وقود ومعدات أغلى وثروة سمكية تتراجع

لم يعد الصيد البحري في طرطوس مجرد مهنة تتطلب الصبر ومواجهة البحر، بل تحول بالنسبة إلى كثير من العاملين فيها إلى معادلة مالية شاقة تبدأ بكلفة الوقود والمعدات ولا تنتهي عند أعطال المحركات وتراجع كميات المصيد. وبينما تتقلص قدرة الصياد على تحمل نفقات رحلة قد لا تغطي عائداتها تكاليفها، تتعرض الثروة السمكية لضغوط إضافية بفعل وسائل الصيد المخالفة والتلوث البحري، في ظل دعم محدود وآليات رقابة لا تبدو كافية لحماية المهنة ومخزونها في آن واحد.

وتشير بيانات فرع الثروة السمكية في طرطوس إلى وجود 1732 صياداً يعملون على متن 475 مركباً موزعة على موانئ طرطوس وأرواد وبانياس وبصيرة وخراب بانياس والحميدية. لكن الإنتاج المسجل يعكس مساراً مقلقاً؛ إذ بلغ المصيد 335 طناً منذ بداية 2026 حتى إعداد المادة، مقابل 239 طناً خلال 2025، و400 طن في 2024، و560 طناً في 2023، و577 طناً في 2022، و471 طناً في 2021.

المهنة تنكمش تحت كلفة التشغيل

يقول مدير فرع الثروة السمكية في طرطوس عبد المجيد حسون إن عدد المراكب تراجع خلال الفترة الماضية، بعدما اضطر صيادون إلى بيع قواربهم وترك المهنة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والمحروقات ومستلزمات الصيد.

وتبدو الصورة أكثر وضوحاً لدى الصيادين أنفسهم. خالد رضوان، الذي يعمل في البحر منذ طفولته، يقول إن الصيد ما يزال مصدر دخله الأساسي رغم محدودية البدائل، لكن ارتفاع أسعار الشباك والسنانير، التي يقول إنها ازدادت بنحو عشرة إلى خمسة عشر ضعفاً، جعل الاستمرار أكثر صعوبة.

ولا يتوقف الأمر عند المعدات. فالرحلة اليومية تستهلك نحو 20 إلى 25 ليتراً من المازوت، تضاف إليها نفقات الطعام وصيانة المحرك وقطع الغيار. وفي نهاية الرحلة، قد يجد الصياد نفسه أمام مردود بالكاد يغطي ما أنفقه قبل الإبحار.

المشكلة هنا لا تبدو مجرد ارتفاع أسعار، بل غياب منظومة تجعل المهنة قابلة للاستمرار. فرئيس اتحاد الفلاحين في طرطوس رائد مصطفى يؤكد عدم وجود آلية حالية لتوزيع المازوت المدعوم على الصيادين، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى وقود منتظم ومستلزمات متاحة وأسعار يمكن تحملها.

البحر أقل سخاءً.. والمخالفات تزيد الضغط

إلى جانب كلفة التشغيل، يواجه الصيادون مشكلة أخرى لا يستطيعون حلها داخل قواربهم: تراجع الثروة السمكية واستخدام وسائل صيد مخالفة.

ويشير الصياد مجد عمران إلى تغير واضح في كميات الأسماك خلال نحو 15 عاماً، مع استمرار استخدام وسائل مؤذية للبيئة البحرية، بينها الأقفاص والبارود، فيما سبق استخدام الديناميت في عمليات الصيد.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يتحول الصيد المخالف إلى منافسة غير متكافئة بين من يلتزم بالقواعد ومن يستخدم وسائل تستنزف المخزون. ويطالب عمران بتشديد العقوبات وتوسيع الحماية لتشمل الأنواع المحلية والمهاجرة، إلى جانب قروض ميسرة تساعد أصحاب القوارب القديمة على استبدال المحركات والمعدات.

أما الجهات الرسمية، فتتوزع مسؤولياتها بين أكثر من مؤسسة، إذ تقع مخالفات الصيد البحري ضمن اختصاص المديرية العامة للموانئ، بينما يعمل فرع الثروة السمكية وفق القانون رقم 11 لعام 2021 وبالتنسيق مع الجهات المعنية. غير أن غياب إحصاءات خاصة بمخالفات الصيد لدى فرع الثروة السمكية نفسه يضيف إلى المشهد فجوة في المعلومات اللازمة لتقييم حجم المشكلة وتطورها.

تلوث البحر.. خطر لا يراه الصياد في شباكه

ولا تأتي الضغوط من البحر وحده. فمدير البيئة في طرطوس محمد صالح يحدد مصادر متعددة للتلوث، بينها مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمخلفات الصناعية والتسربات النفطية ومتبقيات الأسمدة والمبيدات الزراعية.

هذه الملوثات لا تؤثر في البيئة البحرية بصورة مجردة؛ فقد تؤدي إلى انخفاض الأوكسجين المنحل وتراكم مواد ضارة، ودفع الأسماك إلى مغادرة المناطق المتأثرة، ما ينعكس في النهاية على الصياد الذي يجد نفسه أمام مساحة بحرية أقل إنتاجاً.

وينص القانون رقم 11 لعام 2021 على حظر تصريف المخلفات الصناعية والزراعية والصحية والبترولية والصرف الصحي وغيرها من المواد الضارة بالثروة السمكية في المياه العامة، مع عقوبات تشمل الحبس والغرامة وتحميل المخالف تكاليف إزالة الضرر. لكن وجود النص القانوني لا يعني بالضرورة أن البحر أصبح محمياً؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة الجهات المعنية على منع المخالفة قبل أن تصل إلى المياه، ومحاسبة مرتكبيها بصورة منتظمة.

من يحمي المهنة قبل أن تختفي؟

في طرطوس، لا يواجه الصياد أزمة واحدة يمكن حلها بقرار منفرد. هناك وقود مرتفع الكلفة، معدات تستنزف الدخل، محركات تحتاج إلى صيانة، مصيد متقلب، وسائل صيد مخالفة وتلوث يضغط على البيئة البحرية.

والمفارقة أن مهنة يعتمد عليها آلاف الأشخاص ما تزال تفتقر إلى سياسة دعم واضحة تضع استمراريتها ضمن أولوياتها. فالمطلوب لا يقتصر على تأمين كمية من المازوت أو ضبط مخالفة هنا وهناك، بل بناء منظومة متكاملة تحمي المخزون، وتخفض كلفة الإنتاج، وتتيح للصياد تحديث قاربه ومعداته، وتمنع تحول البحر إلى مورد يستنزفه الجميع بينما يدفع العاملون فيه الكلفة وحدهم.

إذا استمرت المعالجة على شكل إجراءات متفرقة، فقد يصبح تراجع عدد المراكب والصيادين أكثر من مجرد رقم في سجلات الثروة السمكية؛ وقد يتحول إلى مؤشر على انحسار مهنة ساحلية قديمة، ليس لأن البحر فقد أسماكه وحده، بل لأن كلفة الوصول إليها أصبحت أكبر من قدرة أصحابها على الاحتمال.

 

اقرأ ايضاً: الفرات ينزف أسماكه… الصيد بالكهرباء يستنزف ثروة الرقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.