إلغاء غارة جوية إسرائيلية في اللحظة الأخيرة بعد اكتشاف أن المستهدفين قرب الحدود السورية مستوطنون
لم تعد محاولات التغلغل الإسرائيلي داخل الأراضي السورية تقتصر على العمليات العسكرية أو القصف الجوي، بل بدأت تأخذ أشكالاً أكثر خطورة مع ظهور تحركات لمجموعات استيطانية يمينية تسعى إلى تحويل التمدد الميداني إلى واقع دائم، مستفيدة من حالة الاضطراب الأمني وضعف السيطرة على المناطق الحدودية.
وكشفت هيئة بث الاحتلال أن جيش الاحتلال الإسرائيلي رصد قبل نحو أسبوعين خمسة أشخاص قرب الحدود السورية، في منطقة قريبة من جبل الشيخ، وكاد ينفذ غارة جوية عليهم بعد تصنيفهم على أنهم تهديد أمني محتمل، قبل أن يتبين لاحقاً أنهم ناشطون من حركة “رواد الباشان” اليمينية المتطرفة، التي تدعو إلى إقامة مستوطنات داخل الأراضي السورية.
الحادثة، التي تبدو للوهلة الأولى مفارقة أمنية داخل الجانب الإسرائيلي، تكشف في جوهرها جانباً أكثر خطورة يتعلق بوجود جماعات أيديولوجية تتعامل مع الأراضي السورية باعتبارها مساحة مفتوحة لمشاريع توسعية، في ظل غياب موقف سوري فاعل قادر على منع هذه التحركات أو وضع حدود واضحة أمامها.
نشاط استيطاني تحت حماية الفراغ الأمني
بحسب هيئة بث الاحتلال، جرى رصد المجموعة خلال ساعات الليل، حيث اعتقد جيش الاحتلال أنها خلية مسلحة تستعد للتسلل إلى الأراضي المحتلة، وبدأ التحضير لتنفيذ ضربة جوية باستخدام طائرات مسيرة من طراز “زيك”، قبل إلغاء العملية بعد ملاحظة مؤشرات كشفت هوية الأشخاص، من بينها مظهرهم الخارجي.
وتبين لاحقاً أنهم ينتمون إلى حركة “رواد الباشان”، وهي مجموعة يمينية متطرفة تسعى إلى إقامة مستوطنات يهودية في منطقة الباشان التاريخية داخل الأراضي السورية، وقد أقرت الحركة بأن ناشطيها تمكنوا من دخول المنطقة السورية والخروج منها ثلاث مرات خلال أسبوع واحد، في مؤشر على سهولة الحركة عبر منطقة يفترض أن تكون خاضعة لإجراءات أمنية مشددة.
ورغم إدانة جيش الاحتلال لهذه التحركات ووصفها بأنها “مخالفة جنائية تعرض حياة الأشخاص للخطر”، فإن اعترافات الحركة نفسها تكشف واقعاً مقلقاً، إذ تؤكد أنها ستواصل محاولات التسلل إلى الأراضي السورية بهدف فرض مشروع استيطاني تدريجي، مستفيدة من المساحات غير المضبوطة على الحدود.
حدود مفتوحة أمام الأطماع وغياب الحضور السوري
لا تبدو خطورة هذه التحركات في عدد المشاركين فيها، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله، إذ تنتقل فكرة الاستيطان من خطاب سياسي متطرف إلى محاولات ميدانية لاختبار قدرة الواقع السوري على مقاومتها.
وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، وضعف المؤسسات الأمنية والإدارية في عدد من المناطق، تتحول الحدود إلى مساحة رخوة تسمح بتكرار الانتهاكات، بينما يبقى الرد الرسمي السوري محدوداً وغير قادر على مجاراة حجم التحديات المفروضة على الأرض.
ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه سوريا أزمات داخلية متراكمة، من إعادة بناء مؤسسات الدولة إلى ضبط الأمن والسيطرة على الحدود، ما يجعل أي فراغ في هذه الملفات فرصة أمام مشاريع خارجية تسعى إلى تثبيت نفوذها وتغيير الواقع الجغرافي والسياسي.
من القصف إلى الاستيطان: مرحلة جديدة من التمدد
تكشف محاولة “رواد الباشان” أن التهديد لم يعد محصوراً بالغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، بل يتجه نحو خلق وقائع جديدة على الأرض عبر مجموعات أيديولوجية ترى في الفوضى فرصة للتوسع.
وبينما تؤكد الحركة المتطرفة استمرارها في محاولات إقامة مستوطنات داخل سوريا، يبقى السؤال الأبرز مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على بناء منظومة سيادة حقيقية تحمي الحدود وتمنع تحول الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة أمام مشاريع الاحتلال والاستيطان.
ففي النهاية، لا تصنع الأطماع الخارجية حدودها وحدها، بل تجد طريقها عندما تضعف الدولة ويغيب الردع.
اقرأ أيضاً: “رواد الباشان”.. مستوطنون يقتحمون أراضٍ سورية لتأسيس بؤرة تابعة للاحتلال