من الحجاب إلى الكحول.. كيف تغيرت الحياة الاجتماعية في سوريا بعد سقوط الأسد؟
لم يتوقف التغيير في سوريا بعد سقوط نظام الأسد عند السياسة والأمن والاقتصاد.
خلال أقل من عامين، بدأت قرارات ومبادرات تمس تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، من لباس النساء والحجاب، إلى الفصل بين الرجال والنساء في بعض المؤسسات ووسائل النقل، مروراً بالشواطئ والحفلات، وصولاً إلى بيع الكحول.
بعض هذه الإجراءات صدر عن جهات رسمية، وبعضها جاء من مؤسسات أو سلطات محلية، فيما بقي بعضها الآخر في إطار حملات ومبادرات دينية واجتماعية.
لكنها جميعاً فتحت سؤالاً واحداً: كيف سيتغير شكل الحياة العامة في سوريا الجديدة؟
الحجاب.. من المبادرات الفردية إلى الجامعات
أبرز القصص التي ظهرت في 2026 كانت «حملة الذهبي للحجاب الشرعي»، التي تنظم أنشطة لتوزيع الحجاب والملابس التي تصفها بالحجاب الشرعي في سوريا.
وتقدم الحملة نفسها باعتبارها نشاطاً خيرياً يهدف إلى توفير الحجاب مجاناً لمن ترغب به ولا تستطيع شراءه، فيما توسعت أنشطتها لتشمل مناطق ومؤسسات مختلفة.
لكن الجدل تصاعد مع وصول أنشطة الحملة إلى الجامعات.
فقد أثارت فعاليات مرتبطة بها داخل جامعات سورية نقاشاً حول دخول نشاط دعوي إلى الحرم الجامعي، والجهات التي تمنح الموافقات على هذه الأنشطة.
وتحولت القضية لاحقاً إلى خلاف حول فعالية للحملة في دمشق، بعدما منعت وزارة الأوقاف فعالية كان مقرراً تنظيمها في «شام سيتي سنتر»، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن القائمين على الحملة.
القصة هنا لا تتعلق بالحجاب وحده، بل بالمساحة التي يمكن أن تشغلها الحملات الدينية في المؤسسات والأماكن العامة، ومن يضع حدود هذه الأنشطة.
ملصقات في الشوارع وحافلات تدعو إلى «اللباس الشرعي»
قبل حملة الذهبي، ظهرت خلال 2025 ملصقات ومنشورات تدعو النساء إلى الالتزام بالحجاب واللباس الشرعي.
كما تداولت وسائل إعلام سورية صوراً لمنشورات وُضعت داخل حافلات عامة، تدعو النساء إلى ارتداء اللباس الشرعي.
لكن هذه الحالات لم تكن جزءاً من سياسة حكومية معلنة وشاملة.
وتشير تقارير إلى أن بعض الإجراءات المتعلقة باللباس والفصل بين الجنسين ظهرت بصورة محلية أو فردية، بينما تراجعت السلطات عن بعضها بعد اعتراضات عامة.
وهنا بدأ يظهر الفرق بين قرار رسمي ملزم وبين مبادرات اجتماعية أو دينية يمكن أن تتحول، في بعض المناطق، إلى ضغط على الأفراد.
الحافلات.. محاولة للفصل بين الرجال والنساء
في بداية 2025، ظهرت خطط لتطبيق الفصل بين الرجال والنساء في حافلات دمشق، بعد تجارب قالت مصادر إنها طُبقت في مدن أخرى.
وبحسب تقارير لاحقة، ظهرت بالفعل حالات فصل بين الجنسين في وسائل النقل العامة، لكنها لم تكن ثابتة أو موحدة في كل المناطق.
وبحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، ظهرت إجراءات للفصل بين الرجال والنساء في وسائل النقل العامة بعدد من المناطق، وسط عدم وضوح بشأن ما إذا كانت صادرة عن تعليمات مركزية أم مبادرات محلية.
المواساة.. عندما وصل الفصل إلى مؤسسة صحية
في نيسان 2025، أثار قرار صادر عن إدارة مشفى المواساة الجامعي في دمشق جدلاً واسعاً.
التعميم المتداول قضى بأن يجلس الرجال في الأمام والنساء في الخلف، «مهما كانت صفتهم الوظيفية»
وتحدثت تقارير أخرى عن إجراءات للفصل بين العاملين والعاملات داخل المشفى.
وتشير التقارير إلى أن بعض هذه الإجراءات اتخذته جهات محلية، بينما تراجعت السلطات عن إجراءات أخرى للفصل بين الجنسين بعد اعتراضات شعبية، من دون ثبوت اعتمادها كسياسة موحّدة على مستوى الحكومة المركزية.
وهذه واحدة من أهم سمات المرحلة: إجراءات تظهر داخل مؤسسة عامة، ثم يبدأ الجدل حول الجهة التي قررتها، وهل تمثل الدولة أم إدارة المؤسسة أم مبادرة محلية.
الشواطئ.. أول تعليمات رسمية للباس النساء
في حزيران 2025، انتقل ملف اللباس إلى قرار صادر عن وزارة السياحة.
التعليمات المتعلقة بالشواطئ والمسابح العامة طلبت من النساء ارتداء ملابس سباحة «أكثر احتشاماً»، مثل البوركيني أو الملابس التي تغطي مساحة أكبر من الجسم، مع ارتداء رداء عند الانتقال من الشاطئ إلى الأماكن الأخرى.
وشملت التعليمات الرجال أيضاً، إذ طلبت ارتداء قميص خارج مناطق السباحة.
في المقابل، أوضح مسؤول سوري لرويترز أن القرار أسيء فهمه، ونفى وجود حظر شامل على ملابس السباحة الغربية، كما أشارت تقارير إلى إعفاء الشواطئ الخاصة والفنادق والمنتجعات السياحية من التعليمات.
ومع ذلك، بقي القرار لافتاً لأنه كان أول توجيه رسمي من هذا النوع بعد سقوط الأسد، وفتح نقاشاً واسعاً حول حدود تدخل الدولة في اللباس الشخصي.
موظفات بلا مكياج؟
في مطلع 2026، ظهرت أيضاً تقارير عن قرارات وإجراءات تتعلق بمظهر الموظفات في القطاع العام، بينها منع وضع المكياج.
وتناولت منظمات حقوقية سورية هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من سلسلة قرارات ذات طابع اجتماعي وديني ظهرت خلال تلك الفترة، إلى جانب قيود على الاختلاط والأنشطة الاجتماعية.
وهنا توسع النقاش من الحجاب إلى تفاصيل المظهر الشخصي للمرأة العاملة.
الاختلاط والرقص.. حتى المناطق السياحية لم تكن بعيدة
في بداية 2026، ظهرت أيضاً قرارات محلية تتعلق بمنع الاختلاط والرقص في بعض المناطق السياحية.
وأثارت هذه الإجراءات نقاشاً حول ما إذا كانت قواعد دينية واجتماعية معينة بدأت تتحول إلى قواعد لتنظيم الحياة السياحية والترفيهية.
لكن مرة أخرى، لا يمكن التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها سياسة موحدة في كل سوريا؛ فبعض الإجراءات صدرت محلياً، وبعضها تراجع لاحقاً.
الحفلات.. صراع على شكل الحياة الفنية
الحياة الفنية لم تكن بعيدة عن هذا التحول.
فخلال 2025، تعرضت منشآت ليلية في دمشق ومحيطها لهجمات، وأدت هذه الأحداث إلى مخاوف بين العاملين في قطاع المطاعم والحياة الليلية.
وفي الوقت نفسه، استمرت الحفلات والفعاليات الفنية في مناطق مختلفة، ما جعل المشهد أقرب إلى حالة شد وجذب بين عودة الحياة الثقافية والترفيهية وبين الاعتراضات والقيود ذات الطابع الديني أو الأمني.
وفي أيلول 2026، عاد الجدل بقوة مع حفل أصالة نصري في دمشق.
فالحفل أقيم بحضور آلاف الأشخاص ومسؤولين رسميين، في الوقت الذي قاد فيه دعاة سلفيون حملة للمطالبة بإلغائه وإلغاء الحفلات الغنائية في البلاد بحجة تعارضها مع القيم الدينية.
وهنا ظهر التناقض بوضوح: في الوقت الذي تستضيف فيه دمشق حفلاً جماهيرياً برعاية وحضور رسمي، توجد في المجتمع قوى دينية تضغط باتجاه إلغاء هذا النوع من الفعاليات.
الكحول.. من الجدل الاجتماعي إلى قرار إداري
في آذار 2026، دخل الملف مرحلة جديدة عندما أصدرت محافظة دمشق قراراً يحظر تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والنوادي الليلية داخل العاصمة.
ونص القرار على تحويل تراخيص الحانات والنوادي الليلية إلى تراخيص مقاهٍ، مع السماح ببيع الكحول في عبوات مغلقة ضمن مناطق محددة، بينها باب توما وباب شرقي والقصاع.
كما فرض القرار مسافات محددة بين أماكن بيع الكحول ودور العبادة والمدارس والمنشآت الأمنية، ومنح أصحاب المنشآت مهلة ثلاثة أشهر للالتزام بالشروط الجديدة
القرار لم يكن مجرد مسألة دينية؛ إذ طال مباشرة أصحاب المطاعم والحانات والعاملين في قطاع الضيافة، وأعاد فتح النقاش حول طبيعة دمشق الاجتماعية والاقتصادية.
ليس كل شيء قراراً حكومياً
لا تشير الوقائع التي ظهرت بعد سقوط الأسد إلى وجود سياسة واحدة طُبقت بالطريقة نفسها في جميع أنحاء سوريا.
فحتى نهاية 2025، وثقت تقارير دولية إجراءات تتعلق باللباس والفصل بين الرجال والنساء في بعض المناطق والمؤسسات، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن بعضها اتخذته جهات محلية، وأن بعض هذه الإجراءات أُلغي أو تراجع بعد اعتراضات شعبية.
وفي المقابل، صدرت عن الحكومة قرارات وتعليمات شملت مجالات مثل تنظيم الشواطئ العامة، بينما اتخذت السلطات المحلية في دمشق قرارات أخرى، من بينها تنظيم بيع الكحول.
وبذلك، تبدو التحولات الاجتماعية التي شهدتها سوريا بعد سقوط الأسد ناتجة عن مجموعة عوامل متداخلة، بين قرارات حكومية، وإجراءات محلية، ومبادرات دينية واجتماعية، وردود فعل مجتمعية عليها.
والسؤال الأكبر: أي سوريا اجتماعية تتشكل؟
من الحجاب في الجامعات، إلى الفصل في الحافلات، ومن مقاعد مشفى المواساة إلى لباس السباحة، ومن القيود على بعض مظاهر الحياة الفنية إلى قرار الكحول في دمشق، لم تعد الأسئلة المتعلقة بالدين والحريات الشخصية نقاشاً نظرياً.
لقد أصبحت مرتبطة بتفاصيل يومية يعيشها السوريون.
- ماذا ترتدي المرأة؟
- هل يجلس الرجال والنساء معاً في الحافلة؟
- من يحدد قواعد الشاطئ؟
- هل تستطيع الحانة أو المطعم تقديم الكحول؟
- وأين تنتهي حرية النشاط الديني وتبدأ حرية الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة.
لكن ما تكشفه وقائع العامين الماضيين هو أن إعادة تشكيل سوريا بعد سقوط الأسد لا تجري فقط في مؤسسات الحكم، بل أيضاً في الجامعة، والمشفى، والحافلة، والشاطئ، والمطعم، والمسرح، والشارع.
اقرأ أيضاً:حملة الذهبي: مشروع عابر للحدود ينازع الدولة على تعريف المجتمع
اقرأ أيضاً:تمزيق إعلانات حفل أصالة في دمشق يفتح جدلاً حول الحفلات الفنية والحريات
اقرأ أيضاً:حصر بيع الكحول في دمشق يثير استنكاراً واسعاً ودعوات لاعتصام