“فورين بوليسي”: معضلة العدالة والمفقودين تضع سوريا بمفترق الطرق

أفردت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تقريراً مطولاً ناقشت فيه أحد أكثر ملفات الحرب السورية تعقيداً وتشابكاً واضعة السلطات السورية أمام معضلة متصاعدة في التعامل مع ملف العدالة الانتقالية

وبحث التقرير في الإشكالية العميقة المتمثلة في الموازنة بين ضغط داخلي قاصم يطالب بالقصاص والإعدام بحق مجرمي الحرب وبين متطلبات دولية صارمة تشترطها الأمم المتحدة

وتشير التقديرات الأممية في هذا الصدد إلى أن أكثر من 100 ألف شخص اختفوا قسراً خلال الحرب الأهلية السورية مما يبرز التوتر القائم بين رغبة عائلات الضحايا في المحاسبة السريعة والقيود التي تفرضها آليات العدالة الدولية التي تمنع تقديم الدعم أو المعلومات للأنظمة القضائية التي تطبق عقوبة الإعدام.

اعتقال “جزار التضامن” يعيد زخم المطالبة بالإعدام

أشار تقرير المجلة الأميركية إلى موجة واسعة من الجدل تلت إعلان وزارة الداخلية السورية عن اعتقال أمجد يوسف المعروف بلقب “جزار التضامن” وهو أحد أبرز المتهمين بتنفيذ مجازر دموية بعد توثيق تورطه في إعدامات ميدانية بحق عشرات المدنيين في حي التضامن جنوب العاصمة دمشق عام 2013 وفي الوقت الذي قوبل فيه نبأ اعتقاله باحتفاء واسع عادت المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام لتتصدر النقاش العام كحاجة ملحة لضمان أعلى درجات المساءلة في مرحلة ما بعد الحرب وهو ما وضع الحكومة السورية الجديدة أمام اختبار سياسي وقانوني غاية في الحساسية يختبر قدرتها على تحقيق عدالة محلية دون خسارة الدعم الدولي المطلوب لإعادة بناء الدولة.

الصدام القانوني بين العدالة “الانتقامية” والعدالة “التحقيقية”

نقلت المجلة عن خبراء في مجال حقوق الإنسان تأكيدهم أن اعتماد الحكومة على الآليات واللجان الدولية التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالملف يعد أمراً ضرورياً لتحديد مصير عشرات آلاف المختفين قسراً وتحديد مواقع المقابر الجماعية الممتدة في البلاد غير أن العقبة الأساسية تكمن في شروط هذه المؤسسات الدولية التي تحظر استخدام بياناتها في محاكمات تقضي بالإعدام مما يخلق تناقضاً كبيراً بين العدالة الانتقامية والتحقيقية وحذر الحقوقيون من أن تنفيذ أحكام الإعدام قد يقطع حبال التعاون الدولي مما يعرقل نهائياً جهود التعرف على الضحايا وإغلاق هذا الجرح النازف.

واقع هش للقضاء السوري وبدائل عابرة للحدود

سلط التقرير الضوء على التحديات البنيوية التي تواجهها سوريا ما بعد الحرب في تشييد نظام قضائي متكامل وقادر على محاكمة الجرائم الكبرى وذلك في ظل ضعف المؤسسات التشريعية وتفكك الجهاز القضائي السابق فضلاً عن هجرة وإقصاء عدد كبير من القضاة

وألمح التقرير إلى أن تجارب المحاكمات الجارية داخل البلاد ومنها محاكمة المسؤول السابق نجيب عاطف في قصر العدل بدمشق وسط حضور مراقبين وأفراد الأمن تثير نقاشات حول مدى جديتها وما إذا كانت ستكتفي بمحاسبة رموز صغرى دون المساس بالبنية القيادية العليا التي صممت منظومة الانتهاكات وفي المقابل اعتبرت “فورين بوليسي” أن تجارب المحاكم الأوروبية مثل محاكمات “كوبلنز” في ألمانيا أكدت أن العدالة العابرة للحدود باتت خياراً عملياً وفعالاً تعوض تعثر العدالة الداخلية.

مفارقة الذاكرة والدفن المؤجل أمام خيارات السياسة

اختتمت مجلة “فورين بوليسي” تقريرها بالإشارة إلى المفارقة الإنسانية الأكثر حساسية في المشهد السوري حيث أن العائلات التي ترفع أصواتها للمطالبة بإعدام الجناة هي ذاتها التي تبحث باستماتة عن إجابات واضحة توثق مصير أبنائها المفقودين

وتلخص كاتبة المقال ديبورا آموس هذه المعضلة بالقول إن العدالة السريعة قد تشفي غليل الغضب الشعبي لكنها توصد أبواب الوصول إلى الحقيقة بينما العدالة البطيئة والمعقدة قد تكشف الحقائق كاملة لكنها تصطدم بحسابات السياسة الدولية لتضع الكاتبة المعادلة في النهاية أمام خيارين أحلاهما مر مؤكدة أنه بإمكان الحكومة السورية إما إعدام مجرمي الحرب أو الحصول على دعم دولي كامل ولكنها لن تستطيع الجمع بين الخيارين معاً.

اقرأ أيضاً:بين العدالة والغضب… ريف حماة الشرقي على حافة الفوضى: حين يُختزل القانون بشعار “حتى لا تضيع الطاسة”

اقرأ أيضاً:الغارديان: الحكومة السورية الجديدة تحت مجهر الاتهام بـ العدالة الصورية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.