عودة خلايا داعش إلى دير الزور.. تصاعد العمليات يثير المخاوف ويضاعف التحديات
تشهد محافظة دير الزور، ولا سيما ريفها الشرقي، تصاعداً في نشاط خلايا تنظيم “داعش”، في تطور يعيد المخاوف من عودة التنظيم إلى واجهة المشهد الأمني، لكن بأساليب مختلفة عن تلك التي اتبعها خلال سنوات سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي السورية.
وبحسب معطيات ميدانية، انتقلت استراتيجية التنظيم من المواجهات العسكرية المباشرة إلى تنفيذ عمليات محدودة تعتمد على الاغتيالات والكمائن والعبوات الناسفة، مستهدفاً القوات الأمنية والمنشآت الحيوية والمدنيين، في محاولة لإثبات استمرار حضوره وإرباك المشهد الأمني في المنطقة.
وتشير المعلومات إلى أن نشاط الخلايا النائمة ازداد بصورة ملحوظة خلال عامي 2025 و2026، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد، إذ أصبحت دير الزور الساحة الأبرز لتحركات التنظيم، مع تركيز هجماته على مؤسسات الدولة، ونقاط الجيش السوري، وقوات الأمن الداخلي، إضافة إلى المنشآت النفطية.
وفي شباط/فبراير 2026، نشر التنظيم أول رسالة صوتية له منذ عامين، ألقاها المتحدث باسمه “أبو حذيفة الأنصاري”، دعا فيها عناصر التنظيم إلى قتال الحكومة السورية والمتعاونين معها، في خطوة اعتُبرت محاولة لاستعادة الزخم الإعلامي والمعنوي بعد سنوات من التراجع.
سكان محليون: الخوف عاد إلى الحياة اليومية
يقول أحمد الأحمد، وهو اسم مستعار لمواطن من ريف دير الزور الشرقي، إن الأوضاع الأمنية باتت “الأسوأ منذ سنوات”، مضيفاً أن السكان كانوا يعتقدون أن مرحلة تنظيم “داعش” انتهت، إلا أن نشاط الخلايا النائمة أعاد حالة الخوف إلى المنطقة.
وأوضح أن انفجاراً استهدف مؤخراً دورية للأمن الداخلي في بلدة الباغوز أدى إلى إصابة ثلاثة عناصر، مشيراً إلى أن هذه الحوادث انعكست بشكل مباشر على حياة السكان، إذ بات كثيرون يتجنبون التنقل بين القرى، فيما يعيش الأطفال حالة من القلق المستمر، وأصبحت حتى التجمعات الاجتماعية والجنازات تثير المخاوف من وقوع هجمات.
ويرى الأحمد أن التنظيم يحاول توجيه رسالة للسكان مفادها أنه ما زال موجوداً وقادراً على تنفيذ الهجمات، بهدف نشر الرعب والضغط على الحكومة وإجبار الأهالي على التعاون معه تحت وطأة الخوف.
وطالب بتعزيز الوجود الأمني الفعلي، وعدم الاكتفاء بنقاط التفتيش، إلى جانب ملاحقة الخلايا النائمة قبل تنفيذ عملياتها، وتعزيز التنسيق بين الجيش والأمن الداخلي والسكان المحليين، مع توفير الحماية للأهالي الذين يقدمون معلومات عن تحركات التنظيم.
تداعيات إنسانية واقتصادية
من جانبه، قال أحمد العواد، مدير منظمة غير حكومية تعمل في ريف دير الزور، إن تصاعد العمليات الأمنية أثر بصورة مباشرة في العمل الإنساني، مشيراً إلى أن الهجمات على الطرق والمنشآت النفطية جعلت إيصال المساعدات الإنسانية أكثر صعوبة وكلفة.
وأوضح أن استهداف حافلة تقل حراس منشآت نفطية على طريق دير الزور – الميادين خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، دفع المنظمات إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر خطورة، أو تأجيل عمليات توزيع المساعدات في بعض المناطق.
وأضاف أن الجهات المانحة أصبحت أكثر حذراً في تمويل المشاريع داخل المناطق التي تشهد اضطرابات أمنية، بسبب المخاوف المتعلقة بسلامة العاملين، لافتاً إلى أن بعض القرى باتت شبه معزولة نتيجة الخشية من الكمائن والعبوات الناسفة، إلى جانب الضغوط النفسية التي يعيشها العاملون في المجال الإنساني.
وأشار العواد إلى أن استهداف المنشآت النفطية ينعكس أيضاً على الخدمات الأساسية، إذ يؤثر في إمدادات الطاقة للمستشفيات ومحطات الكهرباء، ويعرقل أعمال الصيانة، ما يؤدي إلى انقطاع المياه والخدمات عن بعض المناطق لفترات متفاوتة.
ودعا إلى تأمين الممرات الإنسانية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية والمنظمات الإنسانية، ودعم المجتمعات المحلية بمشاريع اقتصادية وخدمات نفسية واجتماعية، إلى جانب تكثيف الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب.
مسؤول أمني: التنظيم يعتمد أسلوب الاستنزاف
وفي المقابل، قال قيادي في غرفة عمليات الأمن الداخلي في دير الزور، فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن نشاط خلايا تنظيم “داعش” يشهد تصعيداً ملحوظاً، لكنه لا يشكل تهديداً وجودياً كما كان في السابق.
وأوضح أن التنظيم فقد قدرته على تنفيذ هجمات واسعة والسيطرة على الأراضي، وأصبح يعتمد على تكتيكات الكر والفر، والاغتيالات، والعبوات الناسفة، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية للبادية والمناطق الوعرة.
وأشار إلى أن الهجمات الأخيرة تنوعت بين استهداف نقاط التفتيش وإطلاق النار على الدوريات الأمنية وتفجير العبوات الناسفة، موضحاً أنه منذ بداية العام الجاري تم تسجيل 19 عملية للتنظيم في دير الزور، بينها خمس هجمات باستخدام عبوات ناسفة، إضافة إلى عمليات اغتيال استهدفت عناصر أمن ومدنيين.
وأكد أن الأجهزة الأمنية تعمل وفق خطط تشمل تعزيز نقاط التفتيش، وتنفيذ حملات مداهمة وتمشيط، والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية التي يقدمها الأهالي، فضلاً عن التنسيق مع الجيش السوري والقوات الموجودة في المنطقة.
وأضاف أن التنظيم يسعى من خلال استهداف المدنيين إلى نشر الخوف، وإظهار الحكومة بمظهر العاجز عن حماية السكان، واستقطاب عناصر جدد، وإثارة التوترات الاجتماعية والطائفية، إلا أن هذه المحاولات تعكس سعيه إلى رفع الكلفة الأمنية والاقتصادية أكثر من قدرته على تغيير موازين القوى.
تهديد مستمر رغم تراجع القدرات
ورغم تراجع القدرات العسكرية لتنظيم “داعش” مقارنة بالسنوات التي كان يسيطر فيها على مساحات واسعة من الأراضي، فإن استمرار نشاط خلاياه النائمة في دير الزور يشكل تحدياً أمنياً قائماً، خاصة مع اعتمادها على عمليات خاطفة تستهدف بث الرعب وإرباك المؤسسات الأمنية والخدمية.
ويجمع السكان المحليون والعاملون في المجال الإنساني والجهات الأمنية على أن مواجهة هذا التهديد تتطلب استمرار العمليات الأمنية، وتعزيز التعاون مع المجتمع المحلي، وتحسين الأوضاع الخدمية والاقتصادية، باعتبارها عوامل تسهم في الحد من قدرة التنظيم على استغلال الظروف الأمنية والمعيشية لإعادة تنشيط خلاياه.
اقرأ أيضاً:نقل معبر المصنع: اتفاق لبناني سوري لتعزيز حماية الحدود ومواجهة داعش والتهريب