توطين الرواتب إلكترونياً.. هل يكفي أن يصل الراتب إلى «شام كاش»؟

لم تعد أزمة «شام كاش» محصورة في تعطل السحب من بعض شركات الصرافة، بل تحولت إلى اختبار مباشر لجدوى توطين رواتب الموظفين عبر منظومة دفع إلكترونية لا يبدو أن بنيتها النقدية والتنظيمية كانت جاهزة لاستيعاب هذا الحجم من الأموال.

فمع استمرار شكاوى مواطنين من صعوبة تحويل أرصدتهم إلى نقد، وامتناع بعض شركات الصرافة عن السحب أو تقييده، ظهرت أيضاً شكاوى من تقاضي عمولات تتجاوز الحدود المعلنة، في وقت تشهد فيه مراكز البريد ازدحاماً كبيراً للحصول على الرواتب والمستحقات.

وتقول شركات صرافة إن المشكلة مرتبطة بتعطل الربط الإلكتروني مع مصرف سوريا المركزي ونقص السيولة، بينما تشير تقارير اقتصادية إلى أن شح النقد لدى المصرف المركزي يمثل جزءاً من المشكلة. وبين الروايتين، يبقى المواطن هو الحلقة التي تدفع ثمن التأخير والارتباك.

راتب موجود.. لكن الوصول إليه ليس مضموناً

أمام هذا الواقع، أطلقت «شام كاش» خدمة إلكترونية لتلقي الشكاوى المتعلقة بعمليات السحب، وحددت عمولة السحب القصوى لدى الجهات المعتمدة بـ3 بالألف.

وتبدو الخطوة ضرورية، لكنها تعالج أحد أعراض الأزمة فقط. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في العمولة وحدها، بل في أن الموظف الذي جرى تحويل راتبه إلى محفظة إلكترونية قد يجد نفسه غير قادر على الوصول إلى أمواله بالشكل الذي يحتاجه، أو مضطراً إلى الانتظار طويلاً للحصول عليها نقداً.

ويشير خبراء إلى أن بعض الشكاوى تتحدث عن عمولات أعلى بكثير من السقف المعلن، ما يخلق عملياً سوقاً إضافية للسيولة: من يملك النقد يفرض سعراً على من يملك رصيداً إلكترونياً.

قرار حكومي سبق البنية التحتية

تعود جذور الأزمة، بحسب خبراء اقتصاديين، إلى توسيع الاعتماد على «شام كاش» لتلقي الرواتب قبل تأمين منظومة نقدية ومصرفية قادرة على ضمان التحويل السلس بين الرصيد الإلكتروني والسيولة.

فالدفع الإلكتروني يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو اقتصاد أكثر شفافية، وتقليل التداول النقدي، وتعزيز تتبع الأموال، لكنه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يصبح المستخدم غير واثق من قدرته على سحب أمواله في الوقت الذي يحتاجها فيه.

وهنا تتحمل الحكومة السورية الانتقالية والمصرف المركزي مسؤولية تنظيمية واضحة: لا يكفي دفع الناس إلى التحول الرقمي، بل يجب توفير ضمانات السحب، والسيولة، وآليات الشكاوى، وتحديد المسؤولية القانونية بوضوح عند تعطل الخدمة.

الخطر الأكبر.. «ليرة نقدية» و«ليرة إلكترونية»

يحذر خبراء من أن استمرار أزمة السحب قد يؤدي إلى نشوء فرق فعلي بين قيمة الليرة النقدية والليرة الإلكترونية، إذ قد يصبح الرصيد الإلكتروني أقل قابلية للاستخدام من النقد بسبب العمولة أو صعوبة السحب.

وهذا لا يهدد «شام كاش» وحده، بل يهدد الثقة بمشروع الدفع الإلكتروني كله. فإذا أصبح الموظف يخشى عدم قدرته على سحب راتبه، فقد يسعى لاحقاً إلى سحب أمواله فور توفر السيولة، ما يعمق شح النقد بدلاً من معالجته.

المنافسة بدل المحفظة الواحدة

يأتي ذلك في وقت بدأت فيه الحكومة السورية الانتقالية وضع إطار أوسع لتنظيم المدفوعات الإلكترونية، عبر نظام الدفع والتحول الإلكتروني الذي يفترض أن يفتح المجال أمام مقدمي خدمات دفع ومشغلي أنظمة مالية متعددين، ويعزز المنافسة والرقابة وحماية المستخدم.

لكن نجاح هذا المسار يتوقف على عدم تكرار الخطأ نفسه: نقل المواطنين سريعاً إلى نظام رقمي واحد، ثم تركهم أمام أزمة سيولة عندما يتعطل أحد أطرافه.

فالرقمنة ليست في إصدار المحفظة، بل في ضمان أن يكون المال الموجود داخلها مالاً قابلاً للاستخدام متى احتاجه صاحبه. وما لم تُحل أزمة السيولة وتُكسر احتمالات الاحتكار وتُفرض رقابة فعلية على شركات الصرافة، فقد تتحول «شام كاش» من أداة لتحديث الاقتصاد إلى عنوان جديد لأزمة نقدية يدفع المواطن كلفتها من راتبه.

 

اقرأ ايضاً: أزمة «شام كاش» تكشف اختناق السيولة في سوريا.. أموال رقمية يصعب تحويلها إلى نقد

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.