مصفاة حمص بين وعود التحديث وواقع التهالك… هل تنجح سوريا في إنقاذ قطاع التكرير؟
في قلب معادلة الطاقة السورية، تقف مصفاة حمص كأحد آخر الأعمدة التي تحاول الحفاظ على دورة إنتاجية متعثرة، وسط قطاع نفطي أنهكته سنوات طويلة من نقص الاستثمارات، وتقادم المعدات، وضعف أعمال الصيانة. وبينما تتحدث الحكومة السورية الانتقالية عن خطط للتحديث ورفع الإنتاج، يبقى واقع المصافي محكوماً بإرث ثقيل من الإهمال وتراجع القدرات التشغيلية.
فالمصفاة التي كانت يوماً جزءاً أساسياً من منظومة تأمين المشتقات النفطية محلياً، تواجه اليوم تحدي البقاء قبل التوسع؛ إذ تحاول الحفاظ على ما تبقى من طاقتها الإنتاجية، في وقت تحتاج فيه البنية النفطية السورية إلى إعادة بناء شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والترقيعات الفنية.
تحديث محدود لمنشأة تحمل إرث عقود
يؤكد مدير مصفاة حمص المهندس خالد محمد علي أن المصفاة تواصل الإنتاج وتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية، رغم الصعوبات الفنية المرتبطة بتقادم التجهيزات والحاجة إلى تحديث أنظمة التحكم وتأمين قطع الغيار.
وأشار إلى أن إعادة تشغيل الوحدة 21 تشكل خطوة ضمن مسار رفع الكفاءة وتحسين جودة المنتجات وتقليل الفاقد، موضحاً أن خطط التطوير تعتمد على تقييم كل وحدة إنتاجية، بين تحديث ما يمكن تطويره واستبدال ما أصبح غير مجدٍ اقتصادياً.
لكن خلف هذه الخطط، تظهر مشكلة أعمق تتمثل في أن المصفاة تعمل منذ سنوات ضمن ظروف تشغيلية صعبة، بعدما أثرت العقوبات الاقتصادية ونقص الإمدادات وضعف الاستثمارات على قدرتها على التطور، لتتحول عملية الصيانة المستمرة إلى محاولة للحفاظ على منشأة صناعية بدلاً من نقلها إلى مرحلة النمو.
قطاع التكرير يبحث عن مخرج من أزمة الاستيراد
ويرى مدير شركة التكرير والبتروكيماويات المهندس طارق شلاش أن الطاقات الحالية للمصافي السورية لا تزال عاجزة عن تغطية كامل حاجة السوق، ما يبقي البلاد مرتبطة باستيراد جزء من المشتقات النفطية.
ويشير شلاش إلى أن الحكومة تعمل على الحفاظ على تشغيل مصفاة حمص، بالتوازي مع إعادة تأهيل مصفاة بانياس والمضي في مشروع إنشاء مصفاة الفرقلس، بهدف رفع الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد.
وتأمل الجهات الرسمية أن تسهم إعادة تأهيل بانياس في تغطية أكثر من 85 بالمئة من احتياجات السوق مستقبلاً، إلا أن تحقيق ذلك يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على توفير التمويل والاستثمارات اللازمة، في ظل تحديات اقتصادية كبيرة تعيق إعادة بناء القطاعات الحيوية.
الكفاءات موجودة.. لكن التكنولوجيا غائبة
يرى المختص في مجال التكرير الدكتور المهندس يوسف جوهر أن تطوير المصافي لم يعد مرتبطاً فقط بإصلاح المعدات القائمة، بل بامتلاك تقنيات حديثة قادرة على إنتاج مشتقات ذات جودة أعلى وفق المعايير العالمية.
وأوضح أن المصافي الحديثة تحتاج إلى وحدات معالجة متطورة وأنظمة رقابة دقيقة، إضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي وربط المصانع بالجامعات للاستفادة من الخبرات الوطنية.
ويؤكد أن سوريا تمتلك كوادر هندسية قادرة على قيادة عملية التطوير، لكن المشكلة تكمن في غياب البيئة التقنية والاستثمارية التي تسمح لهذه الخبرات بالعمل ضمن منظومة حديثة.
مستقبل المصفاة رهين الإصلاح الحقيقي
تدخل مصفاة حمص مرحلة جديدة عنوانها المحافظة على الموجود قبل بناء المستقبل. فبينما تطرح الحكومة مشاريع لإعادة التأهيل وزيادة الإنتاج، يبقى قطاع التكرير أمام اختبار حقيقي: هل ستكون الخطط بداية تحول صناعي فعلي، أم مجرد إجراءات مؤقتة لإدارة أزمة مستمرة؟
فالمنشأة التي بدأت العمل عام 1959 لم تعد تواجه فقط تحدي الإنتاج، بل تواجه سؤالاً أكبر يتعلق بمستقبل الصناعة النفطية السورية نفسها، وقدرة الدولة على الانتقال من إدارة النقص إلى بناء منظومة طاقة مستقرة قادرة على تلبية احتياجات البلاد.
اقرأ أيضاً: إغلاق مصفاة حمص ومشروع بديل.. مرحلة جديدة في خريطة الطاقة السورية