هدر المال العام في سوريا.. طرق تعبّد ثم تحفر ومشاريع تلغى بعد تنفيذها

لا تحتاج مظاهر الهدر في سوريا إلى تقارير رقابية معقدة كي تُكتشف؛ يكفي أن يراقب المواطن شارعاً جرى تزفيته ثم عاد عمال البلدية إلى حفره، أو دوّاراً أُنجز الاحتفال بافتتاحه قبل أن يُتخذ قرار بإزالته. في هذه المشاهد تختصر أزمة الإدارة العامة نفسها: قرارات متعجلة، وتنسيق غائب، ورقابة لا تمنع الأخطاء قبل وقوعها، فيما تُدفع الكلفة من المال العام ووقت السكان وأعصابهم.

في إدلب ودمشق وحلب وحمص، لم تعد إعادة حفر الطرق بعد تعبيدها حوادث استثنائية، بل مؤشراً على خلل يتكرر في ترتيب الأولويات وإدارة المشروعات. أما حين يُنفّذ مشروع ثم يُزال بسبب تصميم غير مناسب أو غياب الموافقات، فالسؤال لا يعود متعلقاً بالشكل الجمالي، بل بمن اتخذ القرار، ومن راجعه، ومن سيتحمل فاتورة الخطأ.

المواطن يدفع ثمن التخطيط الغائب

في شارع الثلاثين بإدلب، لم يكد السكان يلتقطون أنفاسهم بعد انتهاء أعمال التعبيد حتى ظهرت حفريات جديدة لصيانة الصرف الصحي. وتقول تماضر درّة، إحدى سكان الشارع، إن ورشة الصرف الصحي حفرت خندقاً بعد إنجاز الطريق، متسائلة عن سبب عدم إصلاح الشبكة قبل فرش الإسفلت.

ولا تتوقف الأضرار عند الضجيج والغبار وتعطيل حركة السيارات؛ فالسكان يضطرون إلى ركن مركباتهم بعيداً عن منازلهم، فيما يواجه الأطفال ومرضى الربو آثار الغبار المتطاير. وفي حي الزاهرة القديمة بدمشق، يقول يوسف رضا إن شارعاً حُفر لصيانة الصرف الصحي بقي من دون تعبيد بعد انتهاء الأعمال قبل شهرين، وسط مخاوف من تحوله إلى مستنقعات طينية مع الأمطار.

وفي حلب، يصف عبد الجبار خيزران أعمال التعبيد الجزئية والحفريات اللاحقة بأنها جعلت بعض الطرق أسوأ مما كانت عليه. وقد تكون الأعطال الطارئة أمراً وارداً في بنية تحتية أنهكتها سنوات الحرب، لكن ذلك لا يبرر ترك الطرق محفورة بعد الصيانة، ولا يعفي الجهات المعنية من وضع خطة تجمع أعمال المياه والصرف الصحي والاتصالات قبل بدء التعبيد.

دوّارات تُبنى ثم تُزال

في حمص، أثار دوّار الحفيان في حي الخالدية موجة انتقادات بسبب تصميمه، قبل أن يعلن مجلس المدينة إزالته واستبداله بآخر. وبرر المجلس القرار بأن الجهة المتبرعة والمنفذة لم تعرض المخططات عليه للحصول على الموافقة اللازمة.

لكن هذا التفسير يفتح باباً أكثر إحراجاً من التصميم نفسه: كيف يبدأ تنفيذ مشروع في مساحة عامة من دون موافقة الجهة المسؤولة؟ ومن سمح بإنفاق الأموال على إنشاء مجسّم قبل التأكد من ملاءمته؟ ثم لماذا لا تظهر الرقابة إلا بعد التنفيذ، حين تصبح الإزالة وإعادة التصميم كلفة إضافية لا مفر منها؟

وتشير شهادات من إدلب إلى تكرار تغيير تصاميم بعض الدوّارات وإعادة تنفيذها، فيما قدّر مهندس سابق كلفة تعبيد طريق بطول كيلومتر وعرض عشرة أمتار بنحو 60 إلى 70 ألف دولار. وحتى إن اختلفت الكلفة بحسب المواصفات وظروف التنفيذ، فإن إعادة الأعمال بلا ضرورة طارئة تعني استنزاف موارد كان يمكن توجيهها إلى خدمات أكثر إلحاحاً.

الخلل أعمق من خطأ فني

المشكلة ليست في حفرة هنا أو تصميم فاشل هناك، بل في منظومة تسمح ببدء المشروعات قبل استكمال التنسيق والدراسات والموافقات. وحين تتكرر الأخطاء، يصبح الحديث عن سوء التنفيذ وحده تفسيراً ناقصاً؛ إذ لا بد من مساءلة المسؤولين عن التخطيط والإشراف والتعاقد، والتحقق من مدى اعتماد الكفاءة والخبرة في إسناد المناصب، بدلاً من ترك القرارات الخدمية رهينة الارتجال وضعف الإدارة.

إن غياب التنسيق بين المؤسسات، وضعف الرقابة على المتعهدين، وعدم ربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، عوامل تفتح المجال أمام الهدر، وقد تستدعي التحقيق في أي شبهات فساد أو تضارب مصالح. ولا يجوز اعتبار كل مشروع فاشل دليلاً تلقائياً على فساد، لكن تكرار الإخفاق من دون محاسبة يترك الباب مفتوحاً لتبديد المال العام بلا عواقب.

المحاسبة قبل إعلان الإنجاز

تحتاج البلديات إلى قاعدة بيانات موحدة لشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والصرف الصحي، وجدول تنسيق ملزم قبل تعبيد الطرق، إلى جانب رقابة فنية مستقلة ونشر كلف المشروعات وتعديلاتها وأسباب تعثرها. كما ينبغي إلزام الجهات المنفذة بإصلاح الأضرار وفق المواصفات، وفرض غرامات عند ثبوت التقصير.

أما الاكتفاء ببيانات تشرح ما حدث بعد وقوعه، فلا يعيد المال المهدور ولا يخفف معاناة السكان. فالمواطن السوري لا يحتاج إلى طريق يُفتتح مرتين، ولا إلى دوّار يتغير تصميمه كلما تبدلت التقديرات؛ يحتاج إلى إدارة تعرف ما الذي ستنفذه قبل أن تبدأ، وتتحمل مسؤولية إخفاقها حين تفشل. وفي بلد تتسع فيه احتياجات إعادة الإعمار وتتقلص موارده، لم يعد سوء التخطيط تفصيلاً إدارياً، بل عبئاً إضافياً يدفع ثمنه الناس من خدماتهم ومالهم العام.

 

اقرأ ايضاً: “المالية السورية” تقر خطة لترشيد الإنفاق العام وتؤكد عدم المساس بالرواتب

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.